من النّفس فهذا العلم الإجمالي لا ينحلّ إلى علوم بقضايا شرطية مقدّمها نفى بعض الأطراف وتاليها إثبات المعلوم بالإجمال في الباقي ، فلا نستطيع أن نقول - مشيرين إلى تسعة وتسعين من هذه الأواني - : لو كانت هذه طاهرة إذن فالإناء الآخر هو النجس ، لأنّ فرض طهارتها كشرط في القضية الشرطية يعني فرض غضّ النّظر عن تسعة وتسعين قوى احتمالية ، فالقوى المائة غير مجتمعة على إثبات نجاسة هذا الإناء على تقدير طهارة الباقي ، ولذا لو علمنا بطهارة التسعة والتسعين لم يحصل لنا العلم بنجاسة الفرد الأخير من المائة ، وكذلك لا نعلم بأنّه على تقدير طهارة واحد معيّن منها يكون النجس في الباقي ، لأنّ هذا التقدير يعني تقدير فقد قوّة واحدة من القوى المائة ، والمفروض أنّ منشأ العلم إنّما هو القوى المائة ، وإلَّا لحصل العلم الإجمالي في تسعة وتسعين منها ، فظهر أنّ العلم بالقضايا الشرطية الَّذي جعله علماء الأصول حتى اليوم لازما ذاتيا للعلم الإجمالي ليس لازما ذاتيا له على الإطلاق ، بل يدور العلم بالقضايا الشرطية في عرض نفس العلم الإجمالي مدار منشأ ذلك العلم الإجمالي ، فإن كان المنشأ مختلا على تقدير عدم بعض الأطراف كما في العلم الإجمالي القائم على أساس حساب الاحتمالات لم يحصل العلم بالقضايا الشرطية ، وإلَّا كما في العلم الإجمالي القائم على أساس البرهان حصل العلم بالقضايا الشرطية .
إذا عرفت ذلك قلنا في المقام : إنّه لا يتولَّد لنا علم إجماليّ ثالث ، ولأجل التوضيح نفترض الآن أنّ المعلوم بالإجمال صدقه من الأخبار الإلزامية واحد ، فنقول : إنّنا وإن كنّا نعلم إجمالا بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو عند رؤية الشمس ، وكذلك نعلم إجمالا بحرمة الدعاء عند رؤية الهلال ، أو حكم إلزامي آخر ، ولكن العلم الإجمالي الثاني لا ينحلّ إلى العلم بقضايا شرطية بأن نفترض العلم بأنّه لو لم يكن الدعاء عند رؤية الهلال حراما ، إذن فهناك حكم إلزامي آخر ، لأنّ العلم الإجمالي الثاني
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 620
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٢٠