المتواتر لو فرضت دلالة كلّ واحد منها صريحا على الحجيّة حصل القطع بالحجيّة للتواتر عليها ، لكن المفروض أنّ كلّ فرد من أفراد هذا العدد المتواتر مجمل ، وغاية ما يمكن دعوى حصول القطع به لأجل التواتر الإجمالي هو صدق بعض هذه الأفراد مع القطع بأنّ بعض هذه الأخبار أريد منه الحجيّة لاستبعاد عدم كون بعضها على الأقلّ مسوقا مساق الحجيّة ، وكون إمكان انطباق الجميع على الحجيّة من باب مجرّد تجمع الصدف ، لكن كون البعض الصادق هو عين البعض الَّذي أريد به الحجيّة غير معلوم .
وقد يقال في مقابل هذا الكلام : إنّ العدد الموجود فيما نحن فيه ليس هو أدنى مراتب التواتر الإجمالي ، أي أنّ الأخبار الواردة في المقام بما لها من خصوصيات لو كانت أقلّ من هذا المقدار بكثير لكان يحصل العلم أيضا بصدق بعضها . فمثلا لو كانت هذه الأخبار بمقدار خمسين لكان يحصل القطع بصدق واحد منها ، ولو فرضنا أن أقلّ التواتر الإجمالي هو خمسون مثلا ، فهذا لا يعني أنّنا لا نقطع في ضمن المائة والخمسين إلَّا بصدق ثلاثة ، بل يحصل القطع بصدق مائة وواحد منها مثلا الَّذي هو فوق حدّ التواتر ، وذلك لأنّ فرض كون الخمسين أقلّ حدّ التواتر يعني أنّ أكبر عدد يحتمل اجتماعهم على الكذب هو تسعة وأربعون ، إذن فلو أخبر مائة وخمسون بشيء علمنا بصدق مائة وواحد منهم .
وقد يقال في مواجهة هذا البيان : إنّ استبعاد كذب خمسين من أصل خمسين من المخبرين أكبر من استبعاد كذب خمسين من أصل مائة وخمسين من المخبرين ، لأنّ احتمال كذب خمسين من أصل خمسين من المخبرين لا يمتلك إلَّا صورة واحدة من كثير من الصور ، بينما احتمال كذب خمسين من أصل مائة وخمسين من المخبرين
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 498
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٩٨