تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
ذلك الحذر . ومن المعلوم أنّ اهتمام الموجب بنفس الغاية ليس بأقلّ من اهتمامه بمقدّماتها . فإن فرض أنّ تلك الغاية لم تكن من الأفعال الاختيارية كما في قولنا : ( اشرب الدواء لعلَّك تشفى ) ، فالكلام وإن دلّ على شدّة اهتمامه بالغاية لكن لا معنى لوجوبها ، لأنّ المفروض عدم كونها فعلا اختياريا . وأمّا إن كانت فعلا اختياريا كما نحن فيه ، فإيجاب مقدّمتها لأجلها يدلّ على وجوبها لما قلنا من أنّ الاهتمام بها لا يقلّ عن الاهتمام بمقدّمتها . ومقتضى إطلاق الكلام كون وجوب الإنذار ثابتا حتى عند فرض عدم كونه موجبا للعلم ، فيثبت وجوب الغاية حتى عند هذا الفرض . أقول : إنّ الأصحاب - قدّس سرّهم - سواء القائلين بتماميّة الاستدلال بهذه الآية ، والقائلين بعدم تماميّة الاستدلال بها ركزوا كلامهم على مدى دلالة الآية على وجوب الحذر وعدمها . وأمّا الملازمة بين وجوب الحذر والحجّية فأخذوها أمرا متسالما عليه من الطرفين . والتحقيق : أنّ هذا الأمر المتسالم عليه غير صحيح ، إذ لم يرتّب وجوب الحذر على إخبار المخبر ، وإنّما رتّب وجوب الحذر على إنذار المنذر ، ولا معنى للإنذار إلَّا لدى تنجّز الحكم مسبقا وقبل الإنذار حتى يتمّ استحقاق العقاب في الرتبة السابقة على الإنذار ، كي يعقل الإنذار بالعقاب . وفي زمن نزول الآية كان الناس في مختلف البلاد جاهلين بالأحكام ، والأحكام منجّزة عليهم في المرتبة السابقة على الإنذار بالعلم الإجمالي ، أو بكون الشبهة قبل الفحص ، وكان مقتضى القاعدة إيجاب الفحص على الجميع ، ولكن كان ذلك موجبا لاختلال النظام فسقط عنهم الفحص بهذا النحو ، وأمروا بأن ينفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ، ولينذروا الباقين بعد الرجوع حتى يحذروا عن العقاب في دائرة الأمور المنذر بها . فغاية ما تدلّ عليها الآية الكريمة هي رفع تنجيز الحكم عليهم في غير دائرة الأمور المنذر بها ، لا أنّ التنجيز في دائرة الأمور المنذر بها يكون في طول
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 459 | السيد كاظم الحسيني الحائري