والصحيح في المقام عدم ثبوت المفهوم للآية الشريفة . توضيح ذلك :
أنّه يشترط في انعقاد المفهوم للقضيّة الشرطيّة أمران :
الأول - أن يكون لموضوع الحكم في المرتبة السابقة على عروض تقييد عليه من ناحية الشرط إطلاق حتى يكون التقييد الشرطي هدما لهذا الإطلاق في المرتبة المتأخرة وينتزع من ذلك المفهوم ، فإن لم يكن له إطلاق في المرتبة السابقة لم يتصوّر تقييده بالشرط في المرتبة المتأخرة حتى ينتزع من ذلك المفهوم ، فإنّ التقييد فرع وجود إطلاق ذاتي للموضوع . فإذا قيل : ( إن حيّاك شخص بتحية ردّ عليه التحية ) . لم يكن له مفهوم يدلّ على عدم وجوب الردّ قبل الابتداء بالتحية ، لأنّ الردّ في نفسه لا يعقل قبل الابتداء بالتحية .
الثاني - أن لا يكون موضوع الحكم داخلا تحت دائرة الفرض والتقدير الشرطي ، وقد عرفت في ما مضى أنّ الموضوع الَّذي يكون دائما في قبال الشرط ولا يعقل دخوله تحت دائرة الفرض الشرطي إنّما هو موضوع القضية ، أمّا موضوع الحكم فقد يدخل تحت دائرة التقدير الشرطي وقد لا يدخل ، فهنا نقول : إنّه يشترط في دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم أن لا يكون موضوع الحكم داخلا تحت دائرة الفرض والتقدير الشرطي ، ودليلنا على ذلك فهم العرف ، ولهذا لم يتوهّم أحد دلالة قولك : ( إن أخبرك زيد فلا تعتن ) بمفهوم الشرط على عدم حرمة الاعتناء بإخبار عمرو ، وليس هذا عدا مفهوم اللَّقب . وهذا بخلاف ما لو قيل : ( إن كان الإخبار من زيد فلا تعتن ) ، والسرّ في الفرق بين المثالين هو ما ذكرناه من الشرط الثاني ، حيث إنّ الإخبار الَّذي هو موضوع الحكم أصبح في المثال الأوّل داخلا تحت الفرض الشرطي ، وفي المثال الثاني كان خارجا عنه . ولهذا أيضا ترى الفرق بين قولنا : ( إن أكرم زيد عمرا فأكرمه ) ، أي أكرم عمرا ، وقولنا :
( إن أكرم زيد عالما فأكرمه ) ، أي أكرم ذاك العالم ، حيث إنّ دلالة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 417
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤١٧