على المفهوم في غاية الجلاء والوضوح ، بينما دلالة الثاني على المفهوم لا تخلو من خفاء وغموض ، وليست واضحة كالأوّل . والسرّ في ذلك أنّ موضوع الحكم في المثال الأول وهو عمرو لا يحتمل دخوله تحت دائرة الفرض والتقدير ، لكونه جزئيّا حقيقيّا ، وموضوع الحكم في المثال الثاني وهو العالم كلَّي يحتمل دخوله تحت دائرة الفرض والتقدير الشرطي [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] شهادة هذين المثالين على صحّة الشرط الثاني عرفا غير واضحة . أمّا المثال الأوّل - فقد يكون الفرق بين قولنا : ( إن أخبرك زيد فلا تعتن ) ، وقولنا : ( إن كان الإخبار من زيد فلا تعتن ) هو أنّ الضمير المحذوف في الجزاء ، أي لا تعتن به يعود في الثاني إلى كلمة الإخبار المذكورة صريحا في الشرط بمدلول اسمي ، وهذا ظاهره أنّ موضوع الجزاء هو طبيعي الإخبار بينما الشرط هو كون الإخبار من زيد ، ومن الواضح أنّ الموضوع لا ينتفي بانتفاء الشرط ، فكان الكلام دالَّا بمفهومه على أنّه إن كان الإخبار من غير زيد يعتني به ، أمّا في قولنا : ( إن أخبرك زيد فلا تعتن ) فالضمير في الجزاء يعود إلى ما هو مقتض من الشرط وغير مصرّح به . وكما يمكن أن يقتنص من جملة ( أخبرك زيد ) عنوان الإخبار كذلك يمكن أن يقتنص منها عنوان إخبار زيد . وعلى الثاني يكون مفهوم الشرط سالبة بانتفاء الموضوع ، ويكون الشرط الأوّل منتفيا ، ومع الإجمال في مرجع الضمير ووجود احتمال كون القضيّة مسوقة لبيان تحقّق الموضوع لا يتمّ المفهوم ، فليس هذا شاهدا لوجود شرط ثان لاقتناص المفهوم .
وأمّا المثال الثاني - فهناك فرق بين قولنا : ( إن أكرم زيد عمراً فأكرمه ) وقولنا : ( إن أكرم زيد عالما فأكرمه ) ، وهو أنّ الضمير في ( أكرمه ) في الأول راجع إلى عمرو ، وعمرو إنسان واحد لا يتعدّد بإكرام زيد إيّاه وعدمه ، ولذا يكون الظاهر من الكلام أنّ موضوع وجوب الإكرام هو عمرو ، وهو لا ينتفي بانتفاء الشرط ، بينما الضمير في الثاني راجع إلى عالم ، والعالم ليس فردا واحدا ، بل هو متعدّد ، ويمكن أن يشار إلى بعضهم بعنوان ( من أكرمه زيد ) وإلى البعض الآخر بعنوان ( من لم يكرمه زيد ) ، وقد أصبح ( عالم ) طرفا للنسبة الناقصة محصّصا للنسبة التامّة الثابتة بين الإكرام وزيد ، وتلك النسبة تخصّص بالقسم الأول لا محالة وهو من يكرمه زيد . ومن هنا يأتي احتمال أن يكون مرجع الضمير هو العالم الَّذي أكرمه زيد ، فينتفي الموضوع بانتفاء الشرط ، وعلى هذا الاحتمال يكون الشرط الأوّل للمفهوم منتفيا . لذا كان ثبوت المفهوم في الأوّل أوضح منه في الثاني ، فهذا لا يكون شاهدا على وجود شرط ثان لدلالة الشرطية على المفهوم .
والصحيح أنّ موضوع الجزاء إن دخل في التقدير الشرطي فإمّا أن يفترض وجود جزء آخر