تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
والتحقيق : أنّ أكثر الروايات التي جاء فيها ذكر موافقة الكتاب - بعد فرض عدم كون المقصود من الموافقة الموافقة مع المزاج العام - لا تدلّ في الحقيقة على أكثر من إسقاط ما خالف الكتاب عن الحجّية ، فإنّ جملة منها ذكر فيه عنوان الموافقة والمخالفة معا فقال : » ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه « . ومن الواضح أنّ هذا ظاهر في إعطاء الضابط الكلَّي ، وهذا لا يناسب مع ما هو معلوم من أنّ الشقّ الثالث وهو الَّذي لا يوافق ولا يخالف الكتاب هو القسم الأوسع من الأخبار . فلا بدّ إمّا من حمل الموافقة على عدم المخالفة ، أو المخالفة على عدم الموافقة . فإن لم ندّع أنّ الظاهر عرفا هو تحكيم الضابط الأخصّ في الضابط الأعم ، وحمل عدم
شرح
الأمر بالتعبير بالردّ في الأوّل ، وبالتوقّف في الثاني شاهد على كون المقصود بالموافقة الموافقة للمزاج العام للكتاب لا الموافقة لنصّ الكتاب ، إذ لو كان المقصود هو الموافقة لنصّ الكتاب ، فلا فرق في الحكم بين ما لو علمنا بعدم الموافقة وما لو اشتبه علينا الأمر ، ولا نكتة في التفصيل في التعبير بالردّ في الأوّل والتوقّف في الثاني ، فإنّ عدم الموافقة بمعنى عدم وجود مضمون الحديث في القرآن ليس دليلا على كذب الحديث ، وإنّما حال الحديث هنا حال ما اشتبه الأمر فيه . بينما لو كان المقصود هو الموافقة للمزاج العام للقرآن ، فالفرق بين الموردين واضح للقطع بخطإ الأول ، والشكّ في خطأ الثاني . وأمّا حديث عبد الله بن يعفور فيمكن صرفه إلى معنى موافقة المزاج العام للكتاب لو تمّ ما جاء في كتاب تعارض الأدلَّة للسيد الهاشمي - حفظه الله - ( 1 )( 1 ) ص 334 . .من أنّ كلمة ( شاهد ) الواردة في هذا الحديث تشير إلى ذلك ، لأنّ هذه الكلمة تعطي معنى أعمّ من الموافق . كما أنّه جعل في هذا الكتاب ما نعرفه من وضع الأئمة عليهم السلام ووظيفتهم من شرح أحكام وتفاصيل غير موجودة في القرآن الكريم قرينة على صرف الموافقة في جميع هذه الروايات إلى معنى الموافقة للمزاج العام للقرآن . ولكن لقائل أن يقول - كما مضى - : إنّ هذا قرينة على صرف ما ورد بلسان نفي الصدور ، أمّا ما ورد بلسان نفي الحجّية ، فلا تنافي بينه وبين علمنا بكون دأب الأئمة عليهم السلام هو بيان الأحكام وتفاصيل غير موجودة في الكتاب الكريم .