السيرة ، وليس لدينا دليل لفظي على أحدهما لنتمسّك بإطلاقه ، فلا بدّ من الاقتصار في هذا الدليل اللَّبّي على القدر المتيقّن ، والقدر المتيقن من السيرة في كلّ منهما هو صورة عدم معارضته مع الآخر ، فعند معارضتهما لا بدّ من الرجوع إلى بقية الأصول والقواعد في مقام استنباط الحكم الشرعي .
الأمر الثالث - إذا كان الشكّ في تغيّر اللغة ناتجا من الشكّ في وجود السبب للتغيّر فلا إشكال في جريان أصالة الثبات وعدم التغيّر . أمّا إذا كان الشكّ في ذلك ناتجا من الشكّ في سببية الموجود فلا تجري أصالة الثبات ، وهذا نظير انقسام احتمال القرينة إلى احتمال وجود القرينة واحتمال قرينية الموجود ، وكما يفصّل هناك بينهما كذلك نفصل هنا بينهما ، فلو شككنا في أصل وجود سبب للتغيّر ونقصد بذلك الشكّ في وجود ما من شأنه إثبات التغير في اللَّغة كما لو رأينا كلمة دابّة مثلا في زماننا تدلّ على حيوان مخصوص ، وشككنا أنّها في عصر النصوص هل كانت تدلّ على نفس المعنى ؟ أو كانت بمعنى مطلق ما يدبّ على الأرض ثم وجد سبب لا نعرفه لتغيّر اللغة جرت أصالة الثبات على أساس أنّ العقلاء يتخيّلون - ولو على أسس خاطئة - أنّ التغير خلاف طبع اللغة ، وأنّه حالة نادرة استثنائية فحساب الاحتمالات يكشف كشفا نوعيا عن عدمه . هذا بخلاف ما لو شككنا في سببية الموجود للتغيّر ونقصد بذلك ما لو وجدت في عصر الصدور ظروف وخصوصيات من شأنها أن يكون ظهور الكلمة في ذلك العصر غير الظهور الَّذي نفهمه الآن ، ولكن مع ذلك احتملنا عدم حصول التغيّر لأسباب وخصوصيات غير معلومة لدينا ، فهنا لا حجّية لأصالة عدم التغيّر لعدم وجود ذلك الكشف النوعيّ ما دام هناك ما من شأنه إثبات التغيّر . ومن هذا القبيل كلمة الرّأي الواردة في النهي عن العمل بالرأي أو تفسير القرآن بالرأي ، فلو فرضنا أنّنا لا نفهم من هذه الكلمة الآن إلَّا المعنى العقلي لهذه الكلمة لكنّنا نحتمل أنّه في عصر الأئمة - عليهم
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 266
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٦٦