على الحجّية ، وآخر يدّعي الوجدان على الخلاف . أمّا إذا عرفنا أنّ نكتة السيرة العقلائية هي الكاشفية والأمارية لا التعبّد الصرف كما هو الحال في كلّ الأصول العقلائية - على ما هو متسالم عليه بين علماء الأصول - ، وعرفنا أيضا أنّ هذه الكاشفية تكون على أساس حساب الاحتمالات القائم على أساس الغلبة ، بمعنى أنّ الغالب في المتكلَّم أن يطبّق ظاهر كلامه على واقع مرامه ، فعندئذ قد لا تبتلي السيرة العقلائيّة لدينا بالغموض كي نقتصر على عملهم الخارجي بل نرجع إلى ما عرفناه من النكتة ، ونميّز بشكل أتمّ وأتقن موارد الحجّية من موارد عدم الحجّية فنرى مثلا : انّه ليس الغالب في المتكلَّم أن لا يوصل كلامه بقرينة متّصلة فلا كاشفية لأصالة عدم قرينيّة الموجود ، فنكتة السيرة غير موجودة ، أو نرى مثلا : أنّ الغلبة والكاشفية موجودتان بالنسبة لمن لم يقصد إفهامه فنكتة السيرة ثابتة ، وما إلى ذلك من الأمثلة ، فهذا دور الصناعة في كبرى حجّية الظهور .
وأمّا الكلام الثاني أعني دور الصناعة في إحراز الظهور فهنا نحن بحاجة إلى البحث لأجل تحديد مقدار دور الصناعة في باب الدلالات . فمن ناحية هنا كلام قد يتردّد على الألسن وهو أنّه لا معنى لإعمال الصناعة في معرفة الظهور ، وإنّما يجب الرجوع فيه إلى العرف وإلقاء الكلام على الفرد المتعارف والناس الاعتياديين لكي نرى ما ذا يفهمون منه ، ومن ناحية أخرى نرى أنّ سيرة المحقّقين لم تكن على ذلك ففي جملة من الموارد أدخلوا الصناعة في فهم الظهور ، فما أكثر ما يتكلَّمون صناعة في إثبات المفهوم مثلا للقضية الشرطية ، أو في أنّ صيغة ( افعل ) هل تدلّ على الوجوب بمقدّمات الحكمة أو بقرينة عامة أخرى أو لا ؟ ، وما إلى ذلك من الأمثلة .
فمن هنا احتجنا في مقام حلّ هذا التناقض بين هذين الأمرين - أي بين ما قد يقال وما قد يفعل - إلى تحديد دور الصناعة ومقدار أثرها في باب دلالة الألفاظ .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 268
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٦٨