وكذلك لو قلنا بأن المدار في النفقة هو الحاجة ولكن على نطاق أضيق .
بنفس التقريب الذي قلناه في جانب الشأن الاجتماعي . أو بتقريب آخر نقول فيه : إن الملكية لا شك أنها في كثير من الأحيان تكون حاجة من حاجات النفس ، ولا شك أنه من الحرج والشدة على الفرد أن يتصور نفسه عالة على غيره يأكل من أموال غيره ويلبس منها ويسكن فيها ، بل من الصالح له الشعور بملكية هذه الأمور ونحوها ليطمئن قلبه وتسكن نفسه .
وهذا صحيح في بعض الحدود كالطعام واللباس ونفقة الطبيب والحمام والفندق ونحو ذلك . لكنه غير صادق على السكن أو المسكن حتما . فلا يجب على الزوج تمليك العين لزوجته فضلا عن المنفعة .
هذا وقد يقال : إن العرف بصفته ساذجا لا يفرق بين الاحتمالات الثلاثة السابقة أعني الانتفاع والمنفعة والعين . فإذا أعطى الزوج لزوجته ثوبا لتلبسه قال العرف إنها ملكته أو إنه ملَّكه لها . وهذا يكفي دليلا على الملكية في المنفعة على الأقل ما لم يقصد الزوج خلاف ذلك أعني مجرد الانتفاع . فتأمل .
أذن فقد تحصل من هذا الأمر الثاني . أن موارد النفقة الواجبة تختلف عرفا في وجوب التمليك وعدمه . كما يختلف المبنى الفقهي من كون المدار هو الحاجة أو الشأن الاجتماعي .
وحيث قلنا إن الصحيح أن المدار هو الحاجة ، أذن يبقى الاختلاف في موارد النفقة الواجبة . فالسكن مثلا لا يجب فيه أكثر من الانتفاع ، فيبقى الدار ملكا للزوج بلا إشكال ولا يجب عليه تمليك المنفعة فضلا عن العين .
كما أن مقدار الضرورة الاعتيادية في المأكل والملبس يجب فيه تمليك العين ، لأن الشعور بالملكية داخل تحت الحاجة ، كما أشرنا .
والمقدار الزائد من المأكل والملبس وغيرهما ، لا يجب فيه تمليك العين ، ولكن يجب فيه تمليك المنفعة . لعدم كفاية إباحة الانتفاع عرفا وحصول الحاجة إلى الملكية إجمالا . مع عدم وجوب تمليك العين لعدم الدليل عليه وجريان أصالة البراءة عنه . فتبقى ملكية المنفعة هي الواجبة .
ما وراء الفقه — صفحة 283
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٨٣