فالرأي الأول هو الذي يقرره الشيخ الرئيس ابن سينا في قصيدته العينية المشهورة حين يقول : ( نزلت إليك من المحل الأرفع ) وهو ما يقتضيه أيضا قول الفقهاء والمفكرين الإسلاميين عن الجنين : إنه ولجته الروح . أي دخلته بعد أن لم تكن فيه . وإنما تدخله من خارجه لا محالة ، يعني من خارج العالم المادي ، وهو العالم المناسب مع خلقتها ووجودها .
وأما الرأي الثاني فهو الذي اختاره صدر المتألهين في كتابه ( الأسفار الأربعة ) نتيجة للقول بالحركة الجوهرية للأشياء المادية . فهي تصل بحركتها الجوهرية إلى درجة التجرد الروحي . بما في ذلك حال الجنين في بطن أمه .
ومن هنا قال : بأن الروح مادية الحدوث روحانية البقاء أو مجردة البقاء .
ونفى نزول الروح على الجنين من أعلى لاستلزامه في نظره اجتماع روحين في جسد واحد وهو محال أو هو خلاف الوجدان .
ويمكننا الآن أن نتكلم في ابن الزنا على كلا هذين المسلكين الفلسفيين :
أما على المسلك الأول فتحليل الحال يكون كما يلي :
إن الله سبحانه وتعالى كلما رأى المورد أكثر صلاحا وورعا ، كما لو كان الزوجان صالحين وذكرا الله سبحانه في المواقعة أو كانا على وضوء ونحو ذلك .
أرسل بقدرته سبحانه في ذلك المورد روحا صالحة لها من الأعلى ، كما هو على المسلك الذي نتكلم عنه الآن .
وكلما كان المورد أكثر رداءة وعصيانا أرسل فيه روحا رديئة . وهذا غير متعين في موارد الوطء الحلال . ولكنه يكون متعينا في الزنا أو الوطء الحرام ، كابن الحيضة ونحوه . فإنه بعد أن دلت الأدلة على سوء الناتج دلّ ذلك - بناء على هذا المسلك - أن الله سبحانه اختار للمورد روحا فاسدة ورديئة ومن ( العالم الأسفل ) كما يعبرون . وذلك : لأن المورد الرديء لا يتحمل روحا صالحا . أو قل : إن الأرواح الصالحة ( حبا لها وإكراما لها ) يصونها باريها عن الموارد الرديئة . وإن الأرواح غير الصالحة ( بغضا لها وانتقاما منها ) يرسلها باريها إلى الموارد الرديئة .
ومن هنا نجد أن ابن الزنا يكون شخصا رديئا نفسيا وسلوكيا ، لأن حقيقته الروحية هي كذلك .
ما وراء الفقه — صفحة 238
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٣٨