فالمحرمات جائزة له والجرائم مغفورة له لا يجوز معاقبته عليها . لأنها حصلت في وقت الجنون ، لغضب أو غيره .
وقد سبق أن عرفنا الميزان أو المدار في سقوط التكاليف عن المجنون ، وهو القصور فهنا نكرر أيضا : إنه في الحالة التي يكون الفرد فيها قاصرا عن إدراك واقعة تماما ، بدون أن يخدع نفسه أو غيره ، كان التكليف ساقطا عنه تماما ، وأما مع وجود الوعي الكافي فالتكليف متحقق . وهذا أمر راجع إلى الوجدان في كل حالة . وليس لها قاعدة عامة .
ومع الشك في فقدان الوعي ، لو صح التعبير ، كان اللازم الحكم ببقائه ، بمقتضى الاستصحاب ما لم نعلم أن الفرد فاقد للوعي بالمرة أو نطمئن بذلك ، ومقتضى الحكم ببقاء وعيه تحميله تبعة فعله أو تركه لواجب أو محرم .
لكننا هنا ينبغي أن نلتفت إلى بعض الأمور :
أولا : أن الذي لم يسقط عن المجنون من الأحكام التي عرفناها لا يسقط عن هذا المجنون المؤقت لا محالة .
ثانيا : ان المجنون حتى الأدواري منه يحتاج إلى ولي يدبر أمره أما هذا المجنون المؤقت ، فلا حاجة له إلى ولي إلَّا إذا استمر به الأمر طويلا .
والسر في عدم الحاجة ، هو أنه وان كان قاصرا في بعض أعماله التي استكملها ، كما أسلفنا ، إلَّا أنه بطبعه العام شخص سوي غير قاصر ، ومن كان كذلك لا ولاية عليه شرعا .
من هنا نعرف أن القصور المستمر ، كما في الطفل والمجنون ، وهو الذي يشكل طبعا عاما للفرد ، هو الذي يحتاج إلى ولاية ، أو قد شرعت الولاية له في الشريعة ، وأما القصور المؤقت كالإغماء أو النوم الطويل أو الجنون المؤقت الذي تحدثنا عنه ، فلا يحتاج إلى ولاية ، ولم تشرع في حقه .
ما وراء الفقه — صفحة 260
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٦٠