بالنسبة إلى من يسلك مسلك الزهد والعباد المعرضون عن الدنيا والمتوجهون بعقولهم وأعمالهم إلى الآخرة .
فقد سمعنا في اعراض الاكتئاب أن منها : خفض النشاط الحركي ، وانعدام الاهتمام بالعالم الخارجي ، والأرق ورفض الغذاء ، وسيطرة أفكار عدم الجدارة الذاتية والخطيئة . وهذه الأوصاف مما قد تتصف به هذه الطبقة من الناس . بحسب فهمهم الخاص للواقع الذي يعيشونه .
ولعل من أجل هذه يسمى المجانين : مجاذيب باللهجة المصرية ، ويسمون مصحّهم مستشفى المجاذيب . وذلك : انطلاقا من افتراض أنهم مجذوبون إلى العالم الأعلى بفضل اللَّه تعالى . باعتبار أن الناس يرون من الزهاد العباد صفات حقيقية ومشابهة في الانطباع الدنيوي لمن يسمى بالمجنون . إذن ، فقد يفهمون أن كل من يتصف بهذه الصفات فهو من الزهاد العباد أو من المجذوبين إلى العالم الأعلى . وليسوا مجانين على الحقيقة .
المورد الخامس : ان الشعور بالمرح والفرح المتزائد قد يكون له ما يبرره ، وخاصة في مقتبل العمر .
وبالجملة . فإن هذه الأوصاف ان اعتبرناها حقيقة وصحيحة إذن فالمجانين متصفون بصفات العقلاء كما قلنا هنا ، وان اعتبرناها غير صحيحة ، فالعقلاء متصفون بصفات المجانين ، كما قلنا في الأمر السابق .
وهذا التسلسل الفكري ، قد ينتج الشك في الجنون العقلي لكثير ممن يحسبهم الناس مجانين لمجرد حصول بعض الصفات لهم وصدور بعض الأعمال منهم . وقد يكونون مظلومين بنظر المجتمع إليهم .
الأمر الرابع : مهما كان المجال الذي قلناه قبل قليل . فإن هناك عددا من الناس مجانين فعلا . ومهما كان تعريف الجنون وعوارضه الطبية ومهما كان عمل المجنون ، فإن المهم فقهيا هو الصدق العرفي للمجنون . فإن وافق العرف على هذا الصدق لحقه حكمه وإلَّا فلا .
فمثلا : حالة الاكتئاب وحالة العصاب التي سبق أن سمعناها لا تعدان
ما وراء الفقه — صفحة 254
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٥٤