والصحيح هو اعتبار الذهب بذاته ، والدنانير إنما يكتسب قيمتها بصفتها مصداقا له . وإذا انعدم تداول الدنانير الذهبية ، كان الذهب هو المحك أيضا . وليس للدنانير دخل في ذلك أصلا . وهو هو الشعور العقلائي العام في المجتمع الأوسع من تلك التي تستعمل الدنانير الذهبية ، بحيث تشملها وغيرها . ويكون لها الحكم الأصلي والرأي الأساسي . بل إنهم لم يختاروا الذهب كمادة لصنع الدنانير إلا من أجل ذلك .
ومالية الذهب ، كما هو في مالية النقد لدينا ، يعني النظر إليه وإليها كمال خالص أو تجريدي ، ليمثل مفهوم المالية الكلي تمثيلا تاما . ومعنى ذلك غض النظر ، في هذه المرحلة ، عن خصوصيته وأوصافه من حجمه ولونه ونحوها .
ويتضح ذلك في النقود المتداولة حاليا ، فإننا نتداولها ، بصفتها مالا تجريديا ، لا بصفتها الخاصة ، من معدنها وكتاباتها وحجمها . بدليل على أنها لو كانت بحجم آخر أو أي صفة أخرى لكانت تمثل نفس المقدار من المالية ، على الفرض .
وقد تفتق الذهن البشري أولا عن صناعة النقد من الذهب نفسه ليكون هو المحك المباشر لقيمة الأشياء .
إلا أنه بالتدريج ثبت وجود بعض نقاط الضعف فيها :
أولا : ثقل وزنه بصفته معدنا وخاصة إذا تزايد العدد .
ثانيا : صعوبة عده مع الحاجة إلى الكثرة .
ثالثا : عدم إمكان إصدار نقود ضخمة تمثل قيمة عالية . لأنها سوف تكون سمجة جدا بالذوق العام كما هو واضح .
رابعا : إن أغلب أشكال الدنانير الذهبية التي كانت متداولة مغشوشة ومخلوطة بغيرها من المعادن ، بشكل قد يكون مضبوطا وقد لا يكون . ونحن بالتالي لا نكون قد تداولنا الذهب بذاته أو بكامله ثمنا للأشياء .
وصناعة الدنانير الخالصة لم يكن ممكنا عمليا ، لصعوبة السيطرة على
ما وراء الفقه — صفحة 407
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٠٧