الجهة الثانية : فيما يمثل المالية سوقيا وعقلائيا :
فإننا عرفنا في أول هذا الفصل أن المالية معنى مفهومي أو كلي قد ينطبق على ما في الخارج ، وقد ينطبق على ما في الذمة فإذا بقي هذا المعنى على كليته ، لا يمكن الاستفادة منه سوقيا .
إذن ، فلا بد من إيجاد شيء يكون هو الممثل الرئيسي للمالية ، لكي يكون هو المحك والمعيار في مالية سائر الأشياء .
وقد اتفق العقلاء في العالم كله ، على حصر هذا المعنى وتعينه في الذهب . ولا يهمنا البحث عن السبب في هذا التعيين لأنه لا دخل له اقتصاديا على الإطلاق . وإن كان المظنون أن أهميته الجمالية في نظرهم وندرته السببية في أسواقهم وعدم قابليته للصدأ على ما قيل ، هي التي حدت بهم إلى هذا التعيين . مع الإعراض عن أمور نادرة جدا إلى حد قد يصعب قياس الأشياء بها كبعض الأحجار الكريمة .
وليست الفضة محكا للمالية ، وإن صاغوها على شكل عملة تاريخيا وخلال قرون طويلة . بل بقيت على أي حال منوطة بالذهب في تقييمها كسائر الأشياء .
والذهب هو المحك بصفته ذهبا بعد تصفيته على شكل سبائك ، سواء حصل على شكل نقود أم لا . ولا نعلم ما إذا كانت قيمة النقود الذهبية أغلى من قيمة وزنها ذهبا ، بمقدار يزيد على أجور عملها كنقد . بل المظنون عدم كونها كذلك .
هذا مضافا إلى أننا يجب أن نلاحظ أن الذهب الذي كان منظورا لأفراد المجتمع ومتداولا بينهم هو النقد والحلي ، ولم يكن للسبائك وجود منظور بشكل عام . وحيث كانت النقود هي الممثل الأصلي للمالية ، إذن ، فالمحك عندهم هو الدنانير الذهبية ، لا الذهب بذاته . وإن كان هذا لا يخلو من تسامح من قبلهم على أي حال .