المستوي الثالث : الضبط بمقدار الحاجة .
فإن كان المطلوب الضبط العالي والدقيق ، كما في علوم الفيزياء والكيمياء والطب والفضاء ونحوها من العلوم التجريدية ، كانت الحاجة ماسة إلى الضبط الكامل .
والسر فيه ، هو أن التخلف القليل ، مهما تضاءل يحدث أو قد يحدث فسادا في النتيجة المطلوبة . فدرءا لاحتمالات التخلف والفساد لا بد من الضبط المتزائد .
وإن كان المطلوب الضبط بالمقدار السوقي ، كان الضبط بالمقدار الاعتيادي كافيا . لأن النتيجة الكافية والصحيحة عرفا واجتماعية متوفرة ومتيسرة فيه ، ولا يحتاج الناس إلى ضبط أكثر ذلك اجتماعيا .
ويكفي مثالا للضبط السوقي ، ما كان يذكره أحد أساتذتنا في مجلس درسه : من أنك إذا اشتريت ( ماسكة ) شباك ، فإنك ستتوخى أن تكون متينة وكاملة . وأما إذا اشتريت شبكا كاملا ، وكان في ما سكتة شيء من النقصان ، فهو أقل أهمية من الصورة السابقة ، وإن كان بدوره عيبا عرفيا قابلا لحق الفسخ .
فإن اشتريت عشرة شبابيك مثلا مرة واحدة ، وكان في أحدها ماسكة ضعيفة أو فاسدة ، لم يكن ذلك في المجموع عيبا عرفيا . وأما إذا اشتريت دار كاملة يوجد في شباك واحد من شبابيكها عطل في ماسكته ، فسيكون من المضحك أن تشكو من وجود هذا العطل للبائع .
وكذلك من الواضح : أن الفرق بمقدار غرام ونحوه لا يعتنى به سوقيا في الطن ونصف الطن والوزن ونحوها . في حين قد يعتني به في الكيلو غرام الواحد ، فضلا عما هو أقل منه .
والمقدار غير المعتنى به سوقيا ، يسمى فقهيا بالمقدار الذي ( يتغابن به الناس ) عادة . يعني لا يعتبرونه غبنا وضررا يوقعه بعضهم على بعض ، بل
ما وراء الفقه — صفحة 327
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٢٧