وليس التصرف هنا في الحكم الشرعي ، كما ليس الفسخ بالخيار الحقي تصرفا بالحكم أيضا ، فإن الحكم غير قابل للإسقاط ، ومحاولة ذلك تشريع محرم . وقد قلنا في الفصل الخاص بالحق ، إن الحق يحتاج إلى حكم بجعل الحق ولولاه لا يكون الحق ثابتا . والإسقاط ليس لهذا الحكم بل لصغراه وتطبيقه وهو الحق الثابت في مورد معين . فكذلك الحال في العقود إذا كانت جائزة حكميا ، فإن تحويلها إلى اللزوم بالحق لا بالحكم ليكون تصرفا بالحكم الشرعي .
خامسا : إن الأمر قد يقال : إنه أكثر من ذلك : لأن البيع يحتوي على تزلزل من حين وجوده ، في حين أن هذا التزلزل غير موجود في الهبة والوديعة ونحوها . إذ ليس فيها خيار مجلس وخيار حيوان ونحوها . فاللازم اعتبارها أشد ثبوتا ولزوما من البيع . وخاصة بعد أن عرفنا أن الفهم العرفي لا يفرق بين التزلزل الحقي والحكمي .
ودعوى التفريق بين الصنفين من المعاملات : بأن العقود الجائزة لا يمر عليها أي وقت لا تكون فيه قابلة للفسخ . على حين يكون البيع بعد سقوط الخيارات كذلك .
هذه الدعوى ليست صحيحة ، لأمرين :
أحدهما : أنه يمكن دعوى اللزوم في كل العقود ، غير أن بعضها جعل لها خيار موقت وبعضها جعل لها خيار دائم . ولعل هذا الخيار قابل للإسقاط أيضا صغرويا ، كما عرفنا ، في العقود الجائزة .
ثانيهما : أن العقود اللازمة عندهم دائمة القابلية للفسخ أيضا ، كلما في الأمر أن الخيارات إذا سقطت . كانت المقابلة كافية في فسخها . في حين أنه في العتق والوقف ونحوها ، لا يكون للمقابلة أي أثر ، كما هو معلوم .
ومهما أمكن هنا أن نناقش في هذه التقريبات بالدقة المنطقية ، فإنها بلا إشكال تدعم الفهم العرفي ( العملي ) من ناحية و ( الساذج ) من ناحية أخرى ، والخالي من تعقيدات الفقهاء . فإذا كان هذا العرف هو الذي نفهم به الكتاب
ما وراء الفقه — صفحة 304
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٠٤