تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ما وراء الفقه — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
عنه ولا يأخذ به . وهذا هو الجانب الآخر للإرفاق والرحمة في جعل الحق وتشريعه ، بخلاف الحكم فإن الإعراض عنه غير جائز .

الأمر الثاني : ان من جهلة الفروق التي تنشأ مما قلناه بين الحكم والحق . هو أن تشخيص المصلحة في الحكم بيد الشارع ، بينما يكون تشخيصها في الحق بيد المكلف .

أما أن تشخيص المصلحة في الحكم بيد الشارع ، فهذا واضح ، ومن هنا لا يكون للفرد أن يناقش ، بل عليه الطاعة التعبدية ، لكل حكم بحسبه إلزاميا كان أو غير إلزامي . وأما أن تشخيص المصلحة في الحق بيد المكلف ذي الحق . فإن جعل الحق وتشريعه مصلحته بيد الشارع ، بصفته حكما من أحكام الشريعة ، فإن الحق يحتاج في ثبوته إلى جعل وتشريع كما قلنا . ولكن في مرتبة المجعول ، أو كل أمر تشخيص المصلحة إلى المكلف . فإن كان الأخذ بالحق إلى جنبه وفي مصلحته أخذ به ، وإن منعت دون ذلك الموانع أعرض عنه .

الأمر الثالث : قالوا : إن الحكم الوضعي هو الحكم الشرعي الذي لا محركية فيه ، في حين أن الحكم التكليفي هو الحكم الذي يحتوي على المحركية وهو الدفع والباعثية على العمل .

والحق من الأحكام التي لا محركية لها بالنسبة إلى ذي الحق بالذات أو بالدلالة المطابقية ، وإن استلزم في نتائجه بعض المحركيات ، التي إنما تنشأ من الأحكام التكليفية الملازمة له كما سنذكر . فالحق من هذه الناحية شبيه بالحكم الوضعي ، ومفارقا للحكم التكليفي . فإن كان الحق ، قابلا للإسقاط كما هو الصحيح أمكن تعريفه : أنه الحكم الوضعي القابل للإسقاط . وإن كان بعض الحقوق غير قابلة لذلك ، كان الفرق بينها وبين الحكم الوضعي غير واضح ، لاستلزام أكثر الأحكام الوضعية بل كلها لحقوق مقترنة معها . فلا يبقى فرق إلا بحسب مؤدياتها العرفية التفصيلية ليس غير ، وهذا ما سنشير إليه في الأمر الآتي .