ولا شك أن كل قوانين الكون ، بما فيها قوانين الطبيعة والقوانين التي فوقها كلها خاضعة لإرادة اللَّه عز وجل . ونحن مهما تصورناها قوية وفعالة ومؤثرة ، فإنما ذلك بمشيئة اللَّه سبحانه وحسن تدبيره ، وليس في الكون ما هو خارج عن إرادته وعلمه . ومتى أراد أن يمسك يد القانون عن التأثير كان له ذلك * ( ( وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه ِ ) ) * . لأن القانون إنما هو قائم به ودائم به ، وليس له أي وجود وتأثير بدونه .
بل إننا لو غضضنا النظر المباشر عن إرادة اللَّه عز وجل . وقصرناه على الأسباب لكانت النتيجة هي نفسها . لأننا قلنا في هذا الكتاب وفي غيره أن القوانين الطبيعية التي تبجح بها الماديون ليس لها أي وجود ، وإنما هي أفكار ذهنية كلية ، أو قل هي مفاهيم عقلية منتزعة من الواقع . إذن ، فموطنها الحقيقي هو الذهن وليس الخارج . ويستحيل أن يؤثر ما هو ذهني بما هو خارجي .
وإنما الموجود في الخارج هو الأسباب الجزئية ، وقد قال الفلاسفة والمناطقة : أن الكلي على كليته لا يوجد في الخارج وإنما الذي يوجد هو الجزئي أو قل : الجزئيات .
فالأسباب المؤثرة هي الأسباب الجزئية ، يعني أن جزئيات الكون بعضها يؤثر في بعض . ولا فرق من حيث هذه الفكرة بين القوانين الدنيا أعني الطبيعية أو القوانين العليا أو الميتافيزيقية .
وإذا آمنا أن هناك قوانين عليا أو قل : أسباب عليا مؤثرة . كما هو المفروض في المؤمن الحقيقي ، وكما هو المبرهن عليه فلسفيا وعرفانيا . فإن تلك الأسباب شاملة التأثير للعالم الأدنى الطبيعي . وكل ما في الطبيعة من جزئيات خاضع لتلك الأسباب ، وكل ما فيها من تأثير فهو ناتج في المدى القريب أو البعيد منها .
وإذا كان الأمر كذلك أمكننا أن نفترض أن المؤمن إذا فعل الاستخارة ، كان ذلك سببا ( فوقيا ) للتأثير على مقدار الحبات ، بحيث يطابق عددها ما هو
ما وراء الفقه — صفحة 193
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٩٣