ومن هنا قال الفقهاء ، ومنهم سيدنا الأستاذ : إن الرشوة على العمل الحق صحيحة والرشوة على العمل الباطل باطلة .
وأما الاحتمال الثالث ، فالرشوة بتمام إشكالها حرام سواء كانت معنوية أو مادية وسواء كانت على حق أو باطل . بل هي المعنى الأساسي والقدر المتيقن من معنى الرشوة .
فإن الحكم إن كان باطلا كان ظلما ، وكان أكل المال بإزائه أكلا للمال بالباطل . وإن كان الحكم حقا ، كان من واجب القاضي إنجازه على القاعدة ، فيكون أخذا للمال بإزاء لا شيء ، لأن النطق بالحق واجب حتى لو لم يأخذ المال . وأخذ المال بإزائه لا أثر له . وإن قلنا بحرمة أخذ الأجرة على الواجبات مطلقا ، كان هذا من أوضح مصاديقها .
وهذا إنما يصدق فيما إذا أخذ القاضي المال من أحد المتخاصمين .
وأما الراتب من الدولة ، فلا إشكال فيه ، وقد وردت فيه بعض النصوص ، وقد ذكرنا في فصل سابق أن أخذ الأجرة على الواجبات الكفائية جائز حتى لو لم يسقط الوجوب ولم يقم به من فيه الكفاية .
ولا بد لنا الآن من التفاتة إلى الروايات التي رويناها في أول الفصل :
فالرواية الأولى صحيحة ابن سنان تصرح بعدم جواز أخذ القاضي الأجرة من السلطان على القضاء .
وقد عرفنا جوازه ، فالرواية محمولة ، أما لأن السلطان سلطان جائر كما هو الغالب في تلك العصور . وأما لأن السلطان يتدخل في القضاء إلى جانب أحد الخصمين فيكون المال رشوة لا محالة محرمة .
وتنص الروايتين بعدها ، على حرمة الرشا في الحكم ، وهو على القاعدة كما عرفنا وكذلك الأخيرة .
والرواية الرابعة عن يوسف بن جابر يقول فيها : ورجلا احتاج الناس إلى فقهه فسألهم الرشوة . وهي غير نقية سندا . والقاعدة تقتضي الجواز إذا
ما وراء الفقه — صفحة 134
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٣٤