ويبدو أن المعنى المحدود للرشوة غامض حتى في أذهان أهل اللغة ، فضلا عن غيرهم . إذ كان فيه عدة احتمالات :
أولا : الجعل . وهو الأجرة . ومعه تكون أجرة أي عمل يؤديه أي فرد لآخر ، هو من قيل الرشوة .
ثانيا : الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة . وهو معنى أضيق من الأجرة . بل بمعنى إقناع الناس برأيه أو بمصلحته ، عن طريق المال .
ثالثا : المال الذي يأخذه القاضي أو الحاكم ليحكم في مصلحة دافع المال .
وكل هذه الاحتمالات الثلاثة قد تكون في حق وقد تكون في باطل وظلم .
ومن المؤكد أن المعنى الأول ليس من الرشوة على سعته وإن ظهر من كلمات اللغويين . لوضوح أنه يشمل أجور العمال جميعا . وهي ليست برشوة قطعا . نعم ، قد يراد به الجعل في الموردين الثاني والثالث ، فيرجع معناه إليهما ، مضافا إلى أنهم لم يصرحوا بالتقييد ، وظاهرهم مطلق الجعل .
وأما الاحتمال الثاني ، فينبغي أن نلتفت أولا : أن المصانعة المأخوذة فيه بمعنى المجاملة ، وهذا معناه أن المجاملة ستكون من أقسام الرشوة أحيانا . وليست منحصرة بالمال . وهذا صحيح تماما . ففتح الوجه والقلب له فضلا عن الوليمة الفاخرة تندرج في هذا المدرج . وبالأولى أن تندرج في الاحتمال الثالث أيضا .
والمهم الآن ، أن المصانعة ، إذا كانت رشوة ، كان المال رشوة أيضا .
لوضوح عدم انحصار الأمر بالمصانعة ومن هنا ندخل في التعليق على الاحتمال الثاني .
وهذا الاحتمال يختلف باختلاف الحاجات ، فقد تكون حاجات
ما وراء الفقه — صفحة 132
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٣٢