كونه فاعلا الَّا باحداث فعل فيه أو في غيره بالمماسّة . وذلك لا يصحّ الا باحداث حركة في نفسه في الأكثر ، أو باستعمال آلة في الأكثر ، إذا أراد احداثه في الغير . وانّما احترز بالأكثر عن الإرادة والكراهة والنظر في المباشر وعن الاعتقاد في المتولَّد ، لانّ الإرادة والكراهة تفعلان على وجه المباشرة لا بحركة ، وكذلك النظر بفعل الاعتقاد متولدا لا بآلة سوى القلب .
( 236 ) وقال قوم : الباري ، سبحانه وتعالى ، مبدع . ومعنى الابداع ان يكون للفعل وجود من المبدع متعلَّق به فقط ، دون متوسّط من مادة أو آلة أو زمان أو غير ذلك . فذلك معنى قوله : فاعل لا بمعنى الحركات والآلات .
( 237 ) قوله : بصير إذ لا منظور اليه من خلقه ، المراد به انّه حىّ لا آفة به في ما لم يزل . وقول العلماء : انّ اللَّه تعالى ، لم يزل سميعا بصيرا ، انّه على حال لو كان مدرك لأدركه . فإذا أوجد المدرك ، وجب ان يدركه . ولذلك قيّده بكنيته ، وقال : إذ لا منظور اليه من خلقه . والمنظور اليه هو المدرك . فكنّى عن المدرك بالمنظور اليه . فكانّه قال : هو ، تعالى ، على حال لو كان مدرك لأدركه .
( 238 ) وقال قوم معنى قوله : بصير إذ لا منظور اليه في خلقه انّه بصير لا بالآلة والحاسّة والمقابلة والمحاذاة ، لانّ النظر إذا قرن بالبصير يقتضى ذلك .
واللَّه ، تعالى ، منزّه عن الحاسّة والآلة .
( 239 ) وقال قوم : انّ اللَّه تعالى ، وصف نفسه بصفات متعدّدة ، فقال ، انّ اللَّه ، تعالى ، على كلّ شئ قدير ، واللَّه بكلّ شئ عليم ، وهو السميع البصير . وهذه الصفات تتعدّد بسبب نسب المخلوقات إلى ( 29 ر ) ذاته ، تعالى ، فاتّحدت من الوجه ، الذي يلي الذّات .
( 240 ) قوله : متوحّد إذ لا سكن يستأنس به ، إشارة إلى انّ وحدانيّته ليست على معنى الانفراد عن الأمثال والأشباه ، لانّها في الحقيقة وحدة غير حقيقيّة . فمن له مثل ، يعتزل عنه مثله أو جاره ، فذلك ذلّ وعار ونقص .
معارج نهج البلاغة — صفحة 53
مساهمون: علي بن زيد البيهقي
ص٥٣