قال : فليستعدّ للفقر جلبابا أو تجفافا . فمن ترك الدنيا اختيارا ، فهو زاهد ، ومن ترك الدنيا اضطرارا ، فهو فقير .
( 2030 ) والفقر ينقسم ثلاثة اقسام : قسم ليس له مال ، ولكنّه دائما في طلبه ، ويقال له الفقير الحريص . وقسم لا يطلب الدنيا ، وان أعطاه انسان شيئا ، اخذه ، وشكر اللَّه ، تعالى ، وهو الفقير القانع . وقسم لا يسأل من المخلوق شيئا ، ولا يأخذه ، وشكر اللَّه ، تعالى ، وهو الفقير القانع . وقسم يسأل من المخلوق شيئا ، ولا يأخذ ، وهذا هو الفقير المحمود .
وذكر السّيّد المرتضى في كتاب الغرر : من احبّنا أهل البيت ، فليستعدّ للفقر جلبابا أو تجفافا .
قال أبو عبيد : وقد تأوّل بعض الناس هذا الخبر على انّه أراد به الفقر في الدنيا . قال : وليس ذلك كذلك ، لانّا نرى في من يحبّهم مثل ما في سائر النّاس من الفقر ولا تميّز بينهما . قال : والصحيح انّه أراد الفقر يوم القيمة ، واخرج الكلام مخرج الموعظة والنصيحة والحثّ على الطاعات .
وكانّه أراد : من احبّنا ، فليعدّ للفقير يوم القيامة ما يجبره من الثّواب والقرب إلى اللَّه ، تعالى .
( 2031 ) قال القتيبي : وجه الحديث خلاف ما قاله أبو عبيد ، ولم يرد الا الفقر في الدّنيا . ومعنى الخبر انّ من احبّنا ، فليصبر على التقلَّل من الدّنيا والتقنّع فيها ، وليأخذ نفسه بالكفّ عن أحوال الدّنيا واعراضها . وشبّه الصّبر على الفقر بالتّجفاف والجلباب ، لانّه يستر الفقر كما يستر الجلباب أو التّجفاف البدن . ويشهد بصحّة هذا التّاويل ما روى عنه ، عليه السّلام ، انه رأى قوما على بابه ، فقال : يا قنبر ، من هؤلاء فقال له قنبر : شيعتك . فقال : ما لي لا أرى فيهم سيما الشّيعة . قال : وما سيما الشّيعة فقال : خمص البطون من الطَّوى ، يبس الشفاه ( 199 پ ) من الظما ، عمش العيون من البكا . هذا كلَّه قول ابن قتيبة .
( 2032 ) قال السّيّد المرتضى : يمكن ان يكون في الخبر وجه ثالث ،
معارج نهج البلاغة — صفحة 420
مساهمون: علي بن زيد البيهقي
ص٤٢٠