المموّه الباهت كناية عن الوهم ، والزعر عن الغضب ، والملق الأرعن عن الشهوة . وفى ذلك كلام طويل .
فأشار أمير المؤمنين إلى تقويم هذه القوى وحفظها على حدّ الاعتدال ، حتّى لا يؤدّى الرجاء إلى ذلّ الطَّمع ، والطَّمع إلى الحرص ، واليأس إلى الأسف ، والغضب إلى الغيظ ، وغير ذلك من تفاصيل ما ذكرنا .
( 2027 ) قوله : نحن النّمرقة الوسطى بنا يلحق التّالى واليها يرجع الغالي . الحقّ وأهله متوسّطون ، والباطل على الطرفين . فانّ المبطل امّا مقصّر ، وامّا متجاوز ، كما قال أمير المؤمنين ، عليه السّلام : لا ترى الجاهل الَّا مفرطا أو مفرّطا . فشبّه الحقّ بواسطة الأشياء . فمن حقّ من تخلَّف عنه ان يبادر اليه فيلحق به ، ومن حقّ من تجاوزه ان يرجع اليه فيقف عنده . فلمّا كان أمير المؤمنين امام الحقّ ، وجب على سائر النّاس ان يقفوا عنده .
الحكمة 51
( 2028 ) قوله : من احبّنا أهل البيت ، فليستعدّ للفقر جلبابا .
قال الامام الوبرىّ : يحتمل هذا الفقر الظَّاهر ، ويحتمل انّ المراد بذلك : انّ من احبّنا ، ومن وطَّن نفسه على مودّتنا ، وعزم على مشايعتنا ، فليوطَّن نفسه وليحدّثها باستدامة العبادة للَّه ، طول حياته إلى مماته ، فانّه سيرتنا . فمن تابعنا فليستنّ بسنّتنا وانّ سنّتنا الفقر والفاقة إلى اللَّه تعالى .
( 2029 ) وقال بعض العلماء : انّ الفقير هو الَّذى ليس له ما يحتاج اليه ، وليس له ان يكتسب ما يحتاج اليه . والانسان في ابتداء امره محتاج إلى وجوده ، ويحتاج في حال وجوده ( 199 ر ) إلى بقائه ، وبعد بقائه إلى صحّته ، وجميع ذلك ممّا لا يدخل في اكتساب العبد .
وفى الإنجيل انّ عيسى ، عليه السّلام ، قال : أصبحت مرتهنا بعملي ، والامر بيد غيرى ، فلا فقيرا فقر منى . والناس كلَّهم فقراء . كما قال اللَّه ، تعالى : * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله ) * . لكن الفقير في العرف والعادة هو الذي يعرف حقيقة فقره . فلذلك