ومن كان جاهلا ، استبصر بكلّ ما سمعه وشاهده .
ولذلك قال : * ( والْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُه بِإِذْنِ رَبِّه ، والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) * . فالخبيث من الأرض ، وان طاب بذره ، وعذب ماؤه ، لم ينبت الا خبيثا ، والطَّيّب من الأرض ، وان فسد بذره ، وملح ماؤه ، لم ينبت الا طيّبا . ولذلك قال اللَّه ، تعالى : * ( وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ و ) * .
وقال في صفة القرآن : * ( ولَوْ جَعَلْناه قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُه ءَ أَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ ) * . وهو عليهم عمى . ومن لم يتخصّص بالعلم والعمل ، فليس ( 194 ر ) بانسان ولا قيمة له . فانّ القيمة للانسان بقوله ، تعالى : * ( ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ) * . ولو توّهمنا سلب العقل عن الانسان ، لما كان الَّا بهيمة مرسلة ، أو صورة ممثّلة . ولا انتفاع بالعقل ، الا بعد تحصيل العلم . ولذلك نفى اللَّه ، تعالى ، العقل عن أقوام لا ينتفعون به .
( 1989 ) ولا انتفاع بالعلم الا بعد الاهتداء بالشّرع . لذلك قال اللَّه ، تعالى : * ( وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * . فلا قيمة لسرير لا يمكن الجلوس عليه ، ولا لطعام لا يمكن التغذّى به ، ولا للباس لا يمكن ستر العورة ودفع اذى الحرّ والبرد به ، وللفرس الَّذى لا يمكن ركوبه وقطع المسافة به ، فكذلك لا قيمة لا مرء لا علم له ولا هداية له .
( 1990 ) وقال اللَّه ، تعالى : * ( الرَّحْمنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، خَلَقَ الإِنْسانَ ، عَلَّمَه الْبَيانَ ) * ، فابتدأ بتعليم القرآن ، ثمّ بخلق الانسان ، ثم بتعليم البيان . ولم يدخل الواو في ما بينهما .
وكان الوجه على متعارف النّاس ان يقول : خلق الانسان ، وعلَّمه البيان ، وعلَّمه القرآن ، فان ايجاد الانسان مقدّم على تعليم البيان ، وتعليم البيان مقدّم على تعليم القرآن .
لكَّن اللَّه لمّا لم يعدّ المخلوق انسانا ما لم يتخصّص بالقرآن ، ابتدأ بالقرآن ، ثم قال : * ( يُرِيدُ الله ) * . نبّه على انّ تعليم القرآن هو الَّذى جعله انسانا على
معارج نهج البلاغة — صفحة 409
مساهمون: علي بن زيد البيهقي
ص٤٠٩