تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج نهج البلاغة — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
فاحتاج أصحاب الصنايع والحرف إلى سلطان سائس يسوسهم وحاكم عادل يحكم بينهم بالعلم والشرع الحقّ ( 181 ر ) . ( 1807 ) فنسى بعض الناس نفسه وعاقبته من هذه المشاغل والتوابع والعلايق ، وما عرف انّ المقصود من جميع هذه الصنايع والحرف والوالي والقاضي ثلاثة أشياء ، وهى الطعام واللباس والمسكن . والمقصود من هذه الأشياء تقوية البدن وسلامته . والمقصود من سلامة البدن تزكية القلب . والمقصود من تزكية القلب السعادة الكبرى الموعودة في الأخرى . فنسى ذاته وسعادته . ( 1808 ) ومثاله كمثل مسافر قصد بيت اللَّه الحرام ، فنسى نفسه ومقصده ، وضيّع في الطريق عمره في تربية الجمل ورعيه ، وأمثال ذلك ، وخسر الدنيا والآخرة ، وكان ممّن قال اللَّه ، تعالى : * ( ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ ) * . ومثال الدنيا مثال الظَّل تحسبه راكدا ثابتا ، وهو زايل ، ولكن يزول قليلا لا دفعة . لا بل مثالها مثال عجوز شوهاء ملثّمة قد زيّنت ظاهرها بالحلَّى والحلل والطَّيب . فإذا حسرت لثامها ، كانت ممّن يتعوّذ الناس من شرّها . ومثال أصحاب الدّنيا أمثال المسافرين ، لهم مقصد واحد ، وكلَّهم في الطريق ، بقي لبعضهم منزل ولبعضهم فرسخ ، ولبعضهم ميل ، كذلك بقي من اعمار أهل الدّنيا سنة ، ومن اعمار بعضهم شهر ، ومن اعمار بعضهم يوم ، على هذا القياس . ومثال طالب الدنيا كمثال شارب ماء البحر لا يروى الشارب ، بل يزداد كلّ ساعة عطشه ، ولا ينقطع ماء البحر ، وهو يشرب حتّى يهلك . ومثال صاحب الدّنيا كمثال ضيف دخل دار المضيف فناوله شربة من الجلَّاب في اناء ثمين ، فيظنّ انّ الاناء ملك له ، وانّه يخرج من دار المضيف مع ذلك الاناء . فقيل له : اخرج كما دخلت ، فحظَّك ما شربت فحسب .
معارج نهج البلاغة — صفحة 379 | علي بن زيد البيهقي / محمّد تقي دانش پژوه