المطعم بسرعة ، ثم ينفذ إلى القانصة على مهل . فلو كان اختلاف الألوان والاشكال في الطَّيور انّما يكون من قبل امتزاج الاخلاط واختلاف مقاديرها ، كما قاله جهّال الطَّبيعيّين ، لما كان في طاير واحد هذه العجائب . فانظر في الوشى الذي تراه في الطواويس والدّرّاج والتدرّج على استواء ومقابلة على نحو ما يخطَّ بالأقلام ، كيف يأتي بها الامتزاج المهمل على شكل واحد لا يختلف .
( 1591 ) احصى عدد الرّيش منها ، انظر إلى الرّيش منها كنسج الثّوب ، وفى وسط الريش عمود غليظ متين أجوف ، نسج عليه ذلك ، ليمسكه بصلابته وهو القصبة الَّتى يكون في وسط الريش ، وهو مع ذلك أجوف ليخفّ على الطائر ، فلا يعوقه على الطَّيران . ومع ذلك احصى ، تعالى وتقدس ، عدد الريش منها والنّفس ، يعنى انّه ، تعالى ، عالم بجميع المعلومات مجملها ومفصّلها كلَّها وجزئها .
( 1592 ) قوله : ارسى قوائمها على النّدى واليبس ، تفكَّر في الطائر الَّذى هو طويل السّاقين ، فإنه يرعى في ضحضاح من الماء ويتأمّل ما يدبّ في الماء وينساب فيخطو ذلك الطائر خطوا رقيقا حتى يتناوله . ولو كان قصير الساقين ، لثار الماء ، وزعر منه الصّيد . وكان عنقه طويلا ، ليتمكَّن من تناول الأطعمة من الأرض ، لانّ من كان ساقه طويلا وهو اوقص لا يتمكَّن من تناول الأطعمة .
( 1593 ) وانظر إلى العصافير كيف يطلب طعامها في بياض نهارها ، ولا يتيسّر لها دفعة ، وينالها بالطلب والحركة . فسبحن من خلق العصفور على هذه الهيئة وقربه وبعده ، فلم يجعله ممّا لا يقدر عليه الصيّاد عند الحاجة اليه ، ولم يجعله مع ضعفه وصغر جثّته مما ينال بالهوينا .
انظر إلى الخفّاش ، فان معاشها من الحيوانات تنشر في الجوّ من البعوض والفراش وأشباه ذلك من الجراد واليعاسيب . وهذه الحيوانات بالليل مبثوثة في الجوّ . فانظر كيف وجّه الرّزق إلى الَّتى لا يخرج الا باللَّيل من هذه
معارج نهج البلاغة — صفحة 340
مساهمون: علي بن زيد البيهقي
ص٣٤٠