تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج نهج البلاغة — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
وفحوى هذه الآية ، انّهم لو تدبّروا أنفسهم ، وعرفوها ، لعرفوا اللَّه ، تعالى ، والمبدء والمعاد ، ولما أنكروا البعث الَّذى هو لقاء ربّهم . وقوله ، تعالى : * ( ولا تَكُونُوا ) * ، يعنى : انّهم لو عرفوا أنفسهم ، لعرفوا اللَّه ، تعالى . فلمّا جهلوه ، دلّ جهلهم ايّاه على جهلهم ايّاه . ( 1590 ) قوله : دعا كلّ طاير باسمه ، قيل : معناه كتب في اللَّوح المحفوظ كلّ لغة تواضع عليها العباد في المستقبل ، وذكر الأسامي الَّتى يتواضعون عليها ، وذكر لكلّ اسم مسمّاه وذكر الطاير أراد جميع الأجناس والأنواع ، كما قال : * ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى ونَكْتُبُ ما ) * . [ هذا ] قوله ، وأقول تأمّل جسم الطاير وخلقته . فانّه حين قدر ان يكون طيّارا في الجوّ ، خفّف جسمه ، وادمج خلقه . فاقتصر به من القوائم على اثنين ، ومن الأصابع الخمس على اربع ، ومن منفذين للزّبل والبول على واحد ، ثم خلقه تعالى ذا جؤجوء ، محدّب ليسهل عليه خرق الهواء ، كما يجعل صدر السفينة بهذه الهيئة لينشقّ الماء . وخلق في جناحه وذنبه ريشات طوالا متانا لينهض به إلى الطَّيران ، وكسى جسمه كلَّه الرّيش ، ليتداخل الهواء فيقلب . فلما كان طعامه الحبّ واللَّحم يبلعهما بلعا بلا مضغ ، نقص من خلقه الأسنان ، وخلق لها منقارا صلبا ، واعانه بفضل حرارة في الجوف يستغنى بها عن التقدّم للطيران في مضغه . ثم خلقه ، تعالى ، يبيض بيضا ولا يلد ولادة ، كيلا يثقل عن الطَّيران . فلو كانت الفراخ في جوفه ، لاثقلته ، وعاقته عن الطَّيران . ثم يقعد الطاير على البيض فيحضنه . ويلقط الطَّعم بعد ان يستقرّ في حوصلته ، فيغدو به فراخه . وهذا من فعله يشهد على انّه معطوف من جهة اللَّه ، تعالى ، على فراخه ، لعلَّه لا يعرفها الطَّاير ، وهى دوام النّسل وبقاؤه . وفكَّر في حوصلة الطَّاير ، فانّ مسلك الطَّعم إلى القانصة ضيّق لا ينفذ فيه الطَّعم الاوّل الا قليلا قليلا . فلو كان هذا الطائر يلتقط حبّة ثانية حتّى يصير الأولى إلى القانصة ، لطال ذلك عليه . فخلق ، تعالى ، له الحوصلة ( 164 ر ) كالمخلاة المعلقة امامه ، فيها ما أدرك من