ندمه أوفر ، وخسرانه أكمل . ومحصّل ذلك الكلام انّ الطاعة قهر الهوى ونصرة العقل . فلذلك يكون في كره من القوى الشهوانيّة والغضبيّة ، والمعصية قهر العقل ونصرة القوى البدنيّة ، فلذلك يأتي في شهوة .
( 1355 ) قوله : انّ هذه النفس ابعد شئ منزعا ، وانّها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى ، يعنى انّ ] في باطن الانسان ما يجرى مجرى الكلب وهو الغضب وما يجرى مجرى الخنزير وهو الشّره والحرص ، وما يجرى مجرى الشّيطن ، وهذا الشّيطن يوسوس دايما ويهيّج هذا الخنزير والكلب .
فإذا دحرت الشيطان ، وقهرت القوة الغضبيّة والشهوانيّة ، وأطعت داعى العقل ، حصل لك من الاخلاق العلم والحكمة والصلاح والعفّة وحسن الخلق .
وتلك الاخلاق هي الباقيات الصالحات .
( 1356 ) قال : النفس ابعد شئ منزعا ، المعنى انّ الانسان واقع بين امرين : امر الشهوة وامر العقل . فبمقتضى الشهوة والغضب يحرص على تناول اللَّذات الدنيّة البهيميّة كالغذاء والنكاح والتغالب وساير اللَّذات العاجلة ، وبقوّة العقل يحرص على اكتساب العلوم والافعال الجميلة .
والى هذين الامرين أشار بقوله ، تعالى : * ( إِنَّا هَدَيْناه السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً ) * .
ومن جبّلة الانسان ان يتحرّى ما فيه اللَّذات . واللَّذات على قسمين : محسوسة كالمبصرات والمسموعات والمذوقات وغيرهما ، ومعقولة . واللذات المحسوسة في الانسان غالبة ، لذلك قال ، تعالى : كلَّا بل تحبّون العاجلة وتذرون الآخرة .
ويحتاج الانسان ان يقاد في ابتداء امره إلى مصالحه بضرب من القهر .
كما قال النبىّ ، عليه السلام : يا عجبا لقوم يقادون [ إلى ] الجنة بالسلاسل . ونفى الأمور الشهوانيّة والغضبيّة من الانسان امر بعيد ، لانّ تلك القوى مخلوقة مع بدن الانسان ، والشّرع ما امر بنفيها ، ( 142 ر ) بل بتاديبها ، وكونها
معارج نهج البلاغة — صفحة 290
مساهمون: علي بن زيد البيهقي
ص٢٩٠