وليس كذلك المشاهدة ، فانّه قد يدخلها اللَّبس . الا ترى ان الناظر يرى من نزول المطر خطَّا مستقيما ، ويرى النقطة الجوّالة دائرة ، ويرى راكب السفينة ساحل البحر متحرّكا والسفينة ساكنة . فلا يكتشف المشاهدة عن حقيقة المدرك ، كما ذكرناه . فلما دلَّت الأدلة على اللَّه ، تعالى ، لم يجز ان يكون بخلاف ما دلَّت عليه قطعا ويقينا ، فكان لذلك احقّ من المشاهدة . وكذلك كلّ معلوم بالدليل ، فهذا سبيله . وكذلك قال في بعض كلامه : قد يكذب العيون أهلها ، ولا يغشّ العقل من استنصحه . وهذا بعينه هو الَّذى ذكرناه .
( 1220 ) قوله : لم تبلغه العقول بتحديد ، فيكون مشبّها ،
قال الامام الوبرىّ : لانّه ، تعالى ، انّما علم قادرا عالما حيّا سميعا بصيرا قديما . وهذه الصفات لا يوجب التحديد . وإذا لم يكن محدودا ، لم يشبه شيئا ، لانّ التحديد هو الَّذى يقتضى التشبيه ، وانّ المحدود لا يكون الا جسما مماثلة في الجنس ، فإذا لم يجز عليه الحدود ، لم يجز عليه حكمها ، وهو التحيّز . وإذا لم يجز عليه التحيّز ، لم يجز ان يكون مماثلا للمتحيّز .
( 1221 ) وقال قوم : المحدود مثلا الانسان ، وحدّه انّه حيوان ناطق ، والحيوان هو الجنس ، والناطق هي الفصل ، والحيوان لفظ واقع على الانسان والفرس والطائر وغير ذلك . فيكون بين الانسان والفرس مشابهة في الجنسيّة ، وهى انّ لفظ الحيوان واقع عليهما . فكلّ ما علم بالتحديد يعلم بالجنس اوّلا ، والجنس يقع عليه وعلى غيره . فلذلك قال أمير المؤمنين ، ( 126 ر ) عليه السلام : لم يبلغه العقول بتحديد .
( 1222 ) قوله : ولم يقع عليه الأوهام بتقدير ، فيكون ممثّلا ، يعنى لا يدركه الوهم والمقادير ، فانّه ، تبارك وتعالى ، منزّه عن المقادير .
( 1223 ) وقال الامام الوبرىّ : لانّ الوهم والتقدير انّما يتعلَّقان بما له هيئة وشكل ، والهيئة مقصورة على الجسم . فإذا لم يصحّ كونه جسما ، لم يصحّ عليه الهيئة ، ولم يجز ان يكون ممثّلا .
وقال قوم : الوهم قوة جسمانيّة تدرك من
معارج نهج البلاغة — صفحة 256
مساهمون: علي بن زيد البيهقي
ص٢٥٦