كما جاوز السّهم الهدف ، وما اطمأنّ بالدّنيا . ويدلّ عليه ما تقدّم من قوله : « والبصير ينفذها بصره » . ومن خدعته زخارف الدنيا ، [ مال ] إلى زينتها واعرض عن الآخرة لجهله بها . فالبصر كناية عن العالم ، والأعمى عن الجاهل . والبصير منها متزوّد لانّها مزرعة الآخرة ، منزل التّكليف . قال اللَّه ، تعالى : * ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ ، مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ ) * . والتزوّد ، لا يكون الا من دار التكليف .
( 1069 ) قوله : والأعمى لها متزوّد ، اى جعل جميل سعيه لمنافع الدّنيا ولذّاتها لأنها غرضه ومطلبه فلا يسعى الَّا لها ، كما انّ العالم جعل كلّ سعيه وكلّ غرضه الآخرة لمعرفته بها ، قال البصير منها متزوّد ، لأنه انما يسعى للآخرة ما دام في الدنيا .
( 1070 ) قوله ليس من شئ الا ويكاد صاحبه يشبع منه ، ويملَّه ، الا الحياة . المعنى انّ من قال سئمت تكاليف الحياة فهو متمنّ يتمنّى امّا شبابه وامّا عافيته واما صحّة بدنه . ولا يتمنّى الموت ، فانّه إذا قيل لمريض أو منكوب أو هرم : اتختار الصحة والشباب والعافية أو الموت ، لما اختار الموت ، وانما يتمنّى الموت سآمة من التعب والنّصب لا من الحياة ، فلا يكاد صاحب الحياة يشبع من الحياة ، كما قال عليه السلام .
( 1071 ) قوله لا يجد له في الموت راحة ، أراد به الهالك في الآخرة ، لانّه لا ترى لنفسه خيرا في الموت ، وانما الرّاحة للمؤمن التقىّ ، فإنه يرجو الخير كلَّه في الموت . قال رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، ليس للمؤمن راحة دون لقاء اللَّه ، تعالى .
( 1072 ) قوله : الحكمة التي هي حيوة القلب ، اعلم انّ الحكمة أصله الحقّ ووضع الشئ في موضعه ، حتى لا يشوبه زلل ولا خلل . والحكمة الاسم .
وقيل اللفظ من الاحكام وهو المنع ، ومنه : احكموا سفهاءكم ، اى امنعوهم من التعرّض لي ، ومنه حكمة اللجام لانّها تمنع الدّابة من الاعوجاج . ( 110 ر ) فالحكمة تمنع من الباطل ، وتقوّم الانسان ، وهى معشوقة للحقيقة الانسانية .
معارج نهج البلاغة — صفحة 223
مساهمون: علي بن زيد البيهقي
ص٢٢٣