البعيد . وقد اوّل بعض الماوّلين بهذا المعنى قول اللَّه ، تعالى ، حيث قال : * ( ومَنْ كانَ فِي هذِه أَعْمى ، فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى ) * . اى من كان جاهلا بالدّنيا ، فهو بالآخرة اجهل ، لأنه لا طريق إلى الآخرة الا الدنيا . وقيل : انّ الانسان انّما يصير عالما بالعلوم النظريّة ، بعد وقوع الشّك في معلوماتها ، وبعد ان عرف شكَّه فيها . فمن عرف شكَّه ، فقد عرف حاجته إلى العلم ، ويوشك ان يعلم ، لانّ اوّل مراتب العلم الشكّ . ومن عرف من نفسه انّه محتاج إلى العلم ، فهو الذي عرف قدر نفسه .
فلذلك قال : العالم من عرف قدره . ولذلك قال : كفى بالمرء جهلا ان لا يعرف قدره . لان من لم يعرف جهل نفسه ، لم يعرف حاجته إلى العلم ، فيبقى جاهلا .
وقال قوم : المعروف بالمعرفة الثانية تكون اوّلا مجهولا لنا ، ثمّ نكتسب معرفته . وانما يكتسب معرفتنا بان يكون عندنا معلومات متقدّمة معلومة ، وان نسلك من ذلك المتقدّم إلى هذا المتأخّر سلوكا موصلا اليه ، فهذا فهو معرفة الانسان قدره .
( 940 ) قوله : كل مؤمن نومة ،
قال السّيّد أراد به الخامل الذّكر .
وفى كتاب الصحاح رجل نومه بسكون الواو ونصبها ممّا لا يؤبه به .
الخطبة 96
( 941 ) قوله : ليسوا بالمساييح ( 98 پ ) ولا المذاييع البذر ،
وقال أبو عبيد : كلّ مؤمن نومة ، اى خامل الذّكر غامض في الناس ، الَّذى لا يعرف الشّر ولا أهله .
واما المذاييع فانّ واحدها مذياع ، وهو الَّذى إذا سمع عن أحد بفاحشة أو رآها منه ، أفشاها عليه وأذاعها . والمساييح الذين يسيحون في الأرض بالشرّ والنميمة والافساد بين النّاس . والبذر أيضا نحو ذلك ، وانما هو مأخوذ من البذر ، يقال : بذرت الحبّ وغيره ، إذا فرّقته في الأرض ، فكذلك هاهنا يبذر الكلام بالنميمة والفساد . والواحد منهم بذور . فالبذور الَّذى يفشى السّرّ ولا يحصل منه كمال الاسرار .
( 942 ) قوله يحسر الحسير ويقف الكسير ، فيقيم عليه حتّى يلحقه غايته ،
قيل : معنى ذلك انّ رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، عامل الناس معاملة