العقلاء حكمة اللَّه ، تعالى ، فيها . وربّما يتأخّر ذلك إلى وقت انقضائها . فمعرفة اللَّه أحوالها بعد انقضائها أسهل وأقرب من حال اقبالها وقيامها .
( 901 ) ووجه اشتباهها انّ الفتنة اسم واقع على افعال العباد ، ومباديها افعال اللَّه ، تعالى . فيشتدّ التكليف ويتفاقم الامر على العقلاء ويعسر عليهم تمييز افعال اللَّه ، تعالى ، من افعال العباد ، ولا يلوذون الا بالصّبر الجميل فيما يتعلَّق بافعال اللَّه ، تعالى ، وبالشكاية ومقاساة المدافعة ، واظهار الجزع في حقّ افعال العباد ، إذا كانت قبيحة . فبسبب تعذّر التمييز بين النّوعين من الافعال ، وايفاء كلّ واحد من النوعين حقّه بالعدل والانصاف بناء على المعرفة ، تسمّى هذه الحالة حالة فتنة : ولذلك يكثر الاشتباه في اوّلها وفى حال قيامها ، حتى إذا خرج ( 95 ر ) المكلَّف عنها ، تجلَّى له حقيقة حالها ، لانّ المفتون مسلوب الرأي مغبون .
( 902 ) واختلف أهل اللَّغة في مأخذ الفتنة ،
فقال قوم : الفتنة الامتحان والاختبار ، فسمّيت هذه الأفعال فتنة ، لانّ فيها يختبر الشّجاع والجبان والخادع والصابر . يقال فتشت الذهب ، إذا أدخلته النار لينظر ما جوّدته ، وسمّى الصايغ الفتّان ، ويقال للشيطن ، الفتّان ، لانّه بوسوسته يدخل من اطاعه النّار .
وقيل : مأخذها من قولهم فتنته المرأة ، إذا دلَّهته ، والفتنة مدلَّهة .
( 903 ) النّاب المسنّة من النوق ، والجمع النّيب .
وفى المثل لا افعل ذلك ما حنّت النّيب . قال الراجز .
حرّقها حمض بلا دفلّ
وغتم نجم غير مستقلّ
فما تكاد نيبها تولَّى
اى يرجع من الضّعف . وهو فعل مثل أسد . وانما كسر النّون ليسلم الياء ، والتصغير نيّيب . يقال سمّيت لطول نابها وهو كالصّفة ، فلذلك لم يلحقه الهاء ، لان الهاء