ثم وصفه أمير المؤمنين بدناءة الهمّة وركاكة الرّأى وخبث الكسب والنّفاق والانتساب إلى كافر . وهذا دليل على انّ الأصل مؤثّر في الخير والشر .
ثم وصفه بالشكّ والتقليد ، لانّ الارتداد ( 56 ر ) من الدلائل [ على ] الشّك والتقليد . ثم وصفه بالعجز والفشل . فانّ من أسر يكون عاجزا أحيانا . ثمّ وصفه بالبخل وترك الحزم ، حيث قال : فما فداك مالك ولا حسبك . ثم وصفه بالغدر والطمع الَّذى يدنى إلى الطبع . ووصفه بانّه لا يثق به بعيد ولا يحبّه قريب . وهذه مجامع الرذائل .
الخطبة 19
شرح الكلام الآخر
،
( 479 ) تكلَّم أمير المؤمنين في الأمور التي بعد الموت ، قوله : ووهلتم ، الوهل بالتحريك الفزع . يقال : وهل بالكسر فهو مستوهل ، ووهل في الشئ وعن الشئ غلط فيه وسها . وسمعتم قول الواعظ : وقريب ما يطرح الحجاب ، هو مأخوذ من قول اللَّه ، عزّ وجلّ ، * ( فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) * . وما يبلَّغ عن اللَّه بعد رسل السّماء ، يعنى الملائكة ، الَّا البشر ، اى الرّسل والأنبياء .
( 480 ) وقوله : وزجرتم بما فيه مزدجر ، القلب الصافي يحرّكه أدنى مخافة ، والقلب الجامد القاسى ينبوعه كلّ المواعظ .
الخطبة 20
( 481 ) ثم قال : تخفّفوا تلحقوا ، هذه إشارة إلى سلوك السّبل الغبيطة العليا والانقطاع عن علائق الدنيا والانفكاك والتخلَّص عنها والانغماس في اللَّذة العليا والخروج إلى عالم السعادة والانتقاش بالكمال .
ثمّ مدح السيّدّ هذا الكلام بألفاظ يشفى القرايح القريحة والجوارح الجريحة . وأنا أقول : هذه ألفاظ علويّة يحكى ، تورّد الأشجار ، وتنفّس الاسحار ، ودرر السّحاب ودرر السّخاب . فيها ملح كيواقيت السّحر ، وفقر كالغنى بعد الفقر ، ومواعظ يقود المستعمين إلى الطاعة والانقياد والاذعان ، يجرى في القلوب جرى المياه في عروق الأغصان . لو تليت على الحجارة لانفجرت منها عيون الماء ، أو على الكواكب لانتشرت من آفاق السماء .