عمّن يخوض في امر لا ينتفع به . وأشار في باقي كلامه إلى استعداد القائل وينهاز الفرصة . ومن زرع ارض ، غيره ، فلغيره ان يمنعه عن سقي زرعه وعن حصاده وعن التصرّف فيه . فلا بدّ من التفكَّر في العواقب في كلّ الأمور ونفى عن نفسه خوف الموت وحرص الدنيا ، وهما من الاخلاق الذّميمة .
( 396 ) بعد اللتيّا والَّتى ، هو رجل من جديس تزوّج امرأة قصيرة فقاسى منها الشّدائد ، وكان يعبّر عنها بالتصغير ، فتزوّج امرأة طويلة ، فقاسى منها ضعف ما قاسى من القصيرة ، فطلَّقها ، فقال : بعد اللَّتيّا والَّتى لا اتزوّج ابدا .
فجرى هذان اللفظان على الدّواهى والشدائد .
وقيل : انّ العرب تصغّر الشئ العظيم كالدّهيم واللَّهيم ، فأشاروا إلى الداهية العظيمة باللتّيّا والى الداهية الَّتى دونها بالَّتى ، وذلك منهم رمز وقال الشاعر من جديس ، بيت :
بعد اللَّتيّا والَّتى
طلَّقت جهلا طلَّتى
( 397 ) قوله : آنس بالموت من الطَّفل بثدى أمّه ، هذه علامة انّه من أولياء اللَّه ، تعالى . اوّله : واللَّه انّ ابن أبي طالب ، عليه السلام ، صحابه ، فانّ الموت للسعيد مفتاح باب السعادة ، كما انّ الطفل لا يصل إلى لذّته الَّا بثدى امّه ، فكذلك السعيد لا يصل إلى السعادة الَّا بالموت .
( 398 ) قوله : اندمجت ، روى بالخاء والجيم ، فمن رواه بالخاء فهو من الدّموخ وهو الارتفاع ( 46 ر ) والاستيلاء ، ومنه « دمخ » اسم جبل ، وهو معرفة لا يدخله الألف واللام ، يقال : اندمخت ودمخت ، اى استولت . ومن قال بالجيم ، يقال دمج الشّىء دموجا ، دخل في الشئ واستحكم فيه ، وكذلك « اندمج وادّمج » بتشديد الدّال . كلّ هذا إذا دخل في الشئ واستتر فيه ، فاندمجت يعنى انطويت . اى بئر مطوّية . الَّا انّهم جمعوه على الاطواء ، فاجرى مجرى شريف واشراف . وهذا اللفظ يدلّ على انّهم لو سمعوا منه هذه الاسرار الَّتى أشار إليها ، لانفعلت أنفسهم عن سماعها انفعالا لايقا بهذه النار .