والعادة إن شرط رد من جاءنا منهم عليهم وهو سائغ ، إلا في المرأة
إذا جاءت مسلمة ، ومن لا يؤمن أن يفتن عن دينه إذا جاء مسلما لقلة
عشيرته .
شرح
الرابع : إن أهل الذمة في قبضة الإمام ولا يخشى الضرر كثيرا من
نقضهم ، بخلاف أهل الهدنة ، كذا ذكروه ، ولعله لكون الجزية إنما يرضى ببذلها
المشركون بعد كمال الضعف ، لأن الصبر على الصغار ، وتحمل الإهانة ، وعدم
ركوب الخيل ولبس السلاح ، ونحو ذلك ، وبذل مال الجزية غير معلوم المقدار أمر
شديد لا يصبر عليه عن قوة يد .
فإن قلت : قوله تعالى : ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على
سواء ) ( 1 ) صالح لأهل الذمة أيضا .
قلنا : لما كان قبول الجزية من أهل الذمة واجبا ما بذلوه ، لقوله تعالى :
( حتى يعطوا الجزية عن يد ) ( 2 ) وجب أن لا يثبت جواز النقض هنا ، إلا بتحقق
السبب .
قوله : ( والعادة أن يشترط رد من جاءنا منهم عليهم ) .
إنما عبر بالعادة ، لأنه قد وقع ذلك في فعله عليه السلام في صلح الحديبية .
قوله : ( ومن لا يؤمن أن يفتن عن دينه إذا جاء مسلما لقلة
عشيرته ) .
لا بد من التقييد بضعفه أيضا ، ومثله من كثرت عشيرته ولا يدفعون عنه .
والذي ينبغي أن لا يراد بفتنه عن دينه : رجوعه عنه ، فإنه لو كان قوي
الإيمان شديد البصيرة لا عشيرة له ولا يستطيع إظهار دينه لا يجوز رده ، بل يراد
فتنه عن دينه ظاهرا ، فإن بلاد الشرك لا يجوز الإقامة بها لمن لا يقدر على إظهار
دينه ، فلا يجوز اشتراط إقامته . واعلم أن المراد بالعشيرة والرهط هنا واحد وهم :
قرابته الأدنى والأبعد .
هامش
( 1 ) الأنفال : 58 .
( 2 ) التوبة : 29 .