بتفصيل ما تعمله وتأتيه وتذره ، أسلمها إليك عند توديعك ، أو أنفذها إليك
عند استقرارك في عملك . وأيضا ، فتأخير العلم بتفصيل صفات الفعل ، ليس
بأكثر من تأخير إقدار المكلف على الفعل . ولا خلاف في أنه لا يجب أن
يكون في حال الخطاب قادرا ، ولا على سائر وجوه التمكن . فكذلك العلم
بصفة الفعل " ( 1 ) . هذا ملخص كلامه في الاحتجاج للشق الأول من مذهبه . وهو
جيد واضح لا نزاع فيه .
واحتج على الثاني - أعني : منع تأخير بيان العام المخصوص - بوجوه
ثلاثة :
الأول : أن العام لفظ موضوع لحقيقة . ولا يجوز أن يخاطب الحكيم بلفظ له
حقيقة وهو لا يريدها ، من غير أن يدل في حال خطابه أنه متجوز باللفظ . ولا
إشكال في قبح ذلك ، والعلة في قبحه : أنه خطاب أريد به غير ما وضع له من
غير دلالة .
قال : والذي يدل على ذلك أنه لا يحسن أن يقول الحكيم منا لغيره ( 2 ) :
" افعل كذا " وهو يريد التهديد والوعيد ، أو " اقتل زيدا " وهو يريد : اضربه
الضرب الشديد ، الذي جرت العادة أن يسمى قتلا ، مجازا ، ولا أن يقول
" رأيت حمارا " ، وهو يريد رجلا بليدا ، من غير دلالة تدل على ذلك .
وبهذا المعنى بانت الحقيقة من غيرها ، لان الحقيقة تستعمل ( 3 ) بلا دليل ، والمجاز
لابد له من دليل . وليس تأخير بيان المجمل جاريا هذا المجرى ، لان
المخاطب بالمجمل لا يريد به إلا ما هو حقيقة فيه ، ولم يعدل به عما وضع
له . ألا ترى أن قوله تعالى : " خذ من أموالهم صدقة " ( 4 ) ، أراد به قدرا مخصوصا ،
فلم يرد من اللفظ إلا ما هو اللفظ بحقيقته موضوع له . وكذلك إذا قال : " له
عندي شئ " ، فإنما استعمل اللفظ الموضوع في اللغة للاجمال فيما وضعوه
هامش
1 - الذريعة إلى أصول الشريعة .
2 - بغيره - ب
3 - يستعمل - ب
4 - سورة التوبة ، 103 .