إداركا من غيره ، وبحسب خصوصية أعضائه قادر على الاستفادة والانتفاع
من كل شئ ، فينتفع من الأرض والماء والنبات والمعدن والحيوان ،
وهو لكونه أكمل المخلوقات أشرفها ، ومن شاهد السماء والأرض ، وما
فيهما ، يرى أنها خلقت له ، ولو لم يكن لوقعت جملة منها معطلة ،
ولكن لما كانت أفراد الإنسان صاحبة شهوات وأهواء نفسانية متقابلة
متدافع بعضها مع بعض آخر ، من شهوة الجاه والمقام ، والملك ، والنكاح
والغذاء ، وغيرها ، ولازمه أن يطلب كل ما ينفع بحاله ، ويدافع المزاحم
له ، يؤدي ذلك إلى الفتنة والفساد ، ووقوع الهرج والمرج بينهم ، ولا
ينتظم أمورهم إلا بأمرين ، أحدهما السلطان العادل المطاع الرؤف
برعيته ، الذي تكون سيرته جلب المنافع لهم ، ودفع ما لا يصلح بحالهم
كما قال تعالى في القرآن العظيم : " ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل
من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله " ( 1 )
والثاني وجود عالم منزه عن الرذائل ، معصوم عن القبائح ، معلم للأخلاق
الفاضلة ، مقنن للقوانين المحكمة التي لا نقص ولا خلل فيها بوجه ،
وحاكم بين الناس بما أراه الله عز وجل من غير طمع وتوقع أجر ، ومخبر
عن بقاء الأرواح في القيامة الصغرى والكبرى وتجسم الأعمال وجزاء
الأفعال .
بيان ذلك : إن المفاسد والمضار والقبائح التي تقع في العالم
على قسمين ، قسم يقع على وجه ظاهر يتظاهر به فاعله ، وقسم يقع
على وجه لا يعرف فاعله ومرتكبه إلا بعد مدة ، أو بالتوسل إلى وسائل
استكشافية ، والقسم الأول يمكن دفعه بإيجاد المانع عن وقوعه ، أو
الردع عن مثله ونظيره بتشديد العقوبة على فاعله بعد ارتكابه ، والقسم
هامش
1 - سورة البقرة آية 246 .