ليس البلية في أيامنا عجبا * بل السلامة فيها أعجب العجب
فلا بد أن يكون في إنشاء العالم وخلقه مرجح وغرض وفائدة
مهمة يتدارك بها تلك المفاسد ، وإلا لكان هذا ترجيحا بلا مرجح ، بل
من ترجيح المرجوح على الراجح ، وهو قبيح ، تعالى الله عن ذلك علوا
كبيرا ، كما قال عز وجل : " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما
باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار " ( 1 )
يعني أن الذين يؤمنون بالله العلي الحكيم ، ويعتقدون أنه يمتنع أن
يكون فعل من أفعاله وصنع من صنائعه بلا حكمة ومصلحة ، لا يقولون
بأن خلقة العالم وقعت بلا غرض عقلائي وفائدة مهمة ، بل ذلك ظن
الذين لا يؤمنون به تعالى ، ويعتقدون أن خلقة العالم وقعت على سبيل
البخت والاتفاق ، لا من صنع صانع حكيم .
وبعد وضوح ما ذكرناه نقول : إن ذلك الغرض والمصلحة لا يمكن
أن يكون صرف الحياة الدنيوية ، والتعيش المادي ، والأكل والشرب ،
وأمثالها ، والابتلاء بالآلام ، والأسقام ، والبلايا ، والمصيبات ، والمحن ،
بأن يخلق الله تعالى هذا العالم لأجل تلك الأمور المكررة الدنية
الزائلة ، ثم يسبب موجبات فنائه ، ثم يخلق مثل ما خلق أولا ، وهكذا
إلى غير النهاية ، كصانع صنع عدة من أواني صينية مرغوبة مشتملة
على نقوش وصور ، ثم صبغ الكل بعد مدة بصبغ ذهبت بطراوتها ونضارتها
ثم كسر الكل ، ثم اشتغل بمثل ما صنع أولا ، وكان شأنه كذلك على
الدوام ، وهل يرضى من يعد في زمرة أولي الألباب ، ويبالي بشأنه ،
أن ينسب إليه مثل ذلك العمل ؟ كلا وحاشا ، إن هذا العمل لا يصدر
إلا عن السفهاء ، والعقلاء منزهون عن هذا ، فلا بد أن يكون الغرض
هامش
1 - سورة ص آية 27 .