أما الكلام في المقام الأول فنقول : لا ريب في بطلان الترجيح
من غير مرجح ، وأن إنكاره يستلزم القول بجواز الترجح بلا مرجح
الباطل باتفاق الكل حتى عند الأشعريين ، لأن حدوث إرادة أحد
المتساويين دون الآخر في نفس الفاعل من دون مرجح ، كان من الترجح
بلا مرجح ، ومن وجود الممكن بلا علة ، فهذا أصل . ولا شبهة أيضا في أنه :
كما أن المحسوسات على قسمين ، قسم مطبوع ، وقسم منفور ، فكذلك
الأفعال ، قسم حسن عند العقل كالعدل والاحسان ، وقسم قبيح كالظلم
والعدوان ، وهذا أصل آخر .
وبعد ذلك نقول : لا ريب في أن العقلاء لا يقدمون على أمر خطير
ليس له نتيجة عقلائية ، وفائدة مهمة لا سيما إذا كان ذلك الأمر ملازما
أو مشتملا على مفاسد كثيرة ، ومضار غير قابلة للتدارك ، وليس بناؤهم
في أفعالهم أن يفعلوا على طريقة الصبيان باللهو واللعب ، ولا على سيرة
السفهاء من الإقدام على ما لا نتيجة عقلائية ولا غاية فكرية له ، غير تضييع
العمر وإتلاف الوقت ، لوضوح أنه أمر قبيح ، والعقلاء لا يقدمون على
مثله أصلا ، فخالق العقول الذي أنعم عليهم بنعمة العقل التي تمنع عن
الإقدام بمثل ما ذكر ، أولى بأن لا يكون فعله بلا غاية ونتيجة خطيرة
مهمة .
ولا ريب أيضا إن العالم الجسماني مشتمل على مضار ومفاسد
عظيمة لا تحصى ، كتلف نفوس كثيرة حيوانية من قبل الإنسان في كل
يوم ، وإنسانية من جهة وجود البلايا ، والأمراض ، والتصادفات ، وغير
ذلك مما يطول شرحه وتفصيله ، ولوضوحه لا يحتاج إلى البيان ، حتى
قيل :
لوامع الحقائق في أصول العقائد — صفحة 18
مساهمون: ميرزا أحمد الآشتياني
ص١٨