من خلقة العالم شيئا آخر ، والحق الصريح الحقيق بالتصديق لمن
جانب الهوى ، ورفض الأقوال التي لا يعتني بها العقلاء : إن ما يمكن
أن يكون نتيجة وغاية لهذا الخلق العظيم ، والعالم الكبير ، هو بلوغ
أفراد قابلة للارتقاء بأوج الكمالات العلمية والعملية ، إلى أعلى مراتب
السعادة ، وتخلقهم بمكارم الأخلاق وتنزههم عن رذائلها ، واتصافهم بالملكات
الحسنة ، وإتيانهم بالأعمال الصالحة ، وتركهم للأفعال القبيحة ،
ووصولهم إلى قرب ساحة رب العالمين ، واقترانهم بالملائكة المقربين ،
والأنبياء المرسلين المخلدين في جنات ونعيم .
ولما خلق الله عز وجل أفرادا مستعدة للبلوغ إلى مرتبة الكمال
فمن ألطافه الكريمة أن يجعل فيهم معلمين ربانيين ، يعلمونهم جميع
العلوم النافعة ، ويكملونهم بأنواع الكمالات ، فيبعث فيهم أنبياء
منزهين معصومين ، يرشدونهم إلى ما هو صلاح دنياهم وآخرتهم ،
ويعلمونهم علم التوحيد ومعرفة الحق المتعال كأنهم يرونه ، وعلم المعاد
كأنهم يشهدونه ، فيحصل لهم رادع قلبي ومانع باطني عن كل سوء
وفحشاء ، ( 1 ) كما ذكره المتكلمون في تقرير قاعدة اللطف : إن من كان
بصدد تحصيل أمر عقلائي وفائدة مهمة ، فلا بد أن يهيئ جميع ما يتوقف
عليه حصول ذلك ، حتى أن من يدعو ضيفا إلى منزله ويكتب إليه
مكتوبا ، يثبت في كتابه عبارات تحسن عند المدعو ، وترغبه إلى تلك
الضيافة ونزوله في ذلك المضيف .
ونقول أيضا : لا ريب : في أن منافع موجودات العالم الجسماني
ترجع إلى الإنسان ، إلا قليلا ينتفع منه غيره ، لأن الإنسان أكمل
شرح
1 - وإلى هذا الغرض أشار بقوله عز من قائل : " وما خلقت الجن والإنس
إلا ليعبدون " فإن العبادة لا تتم إلا بالمعرفة .