الثاني لا يتيسر دفعه لعدم العلم به قبل وقوعه إلا نادرا ، وأما العقوبة
عليه والقصاص عن فاعله بعد وقوعه ، فهو وإن كان نافعا في الردع عن
وقوع مثله غالبا ، ومانعا عن إثارة الفتنة ، وشفاء لما في صدور أقارب ،
المقتص له وأرحامه من الحسرة والغيظ ، ودافعا للشماتة ونحوها ،
لكن الضرر الوارد من وقوعه لا ينجبر بذلك ، إذا كان المقتص له شخصا
عظيما ينتفع منه خلق كثير ، ولا يتدارك بالقصاص عن فاعله ، المنافع
التي كانت مترتبة على وجود ذلك الشخص ، فلا يؤثر في المنع والردع
من وقوعه إلا رادع باطني وعلم يقيني بعالم المجازات وعقاب السيئات ،
فيحتاج في حصول ذلك العلم واليقين إلى عالم منزه متبع مقبول القول
عند جميع الخلق ، يعلمهم الأخلاق الفاضلة ، ويردعهم عن الرذائل ،
ويخبرهم عن عالم الجزاء والقيامتين الصغرى والكبرى ، وأن من يعمل
مثقال ذرة من خير أو شر ، يره بصورة مفرحة حسنة ، أو بصورة مدهشة
قبيحة ، وينبههم عن كل ما أعد للمحسنين والمسيئين ، ويقنن قوانين
محكمة يعمل بها ذلك السلطان العادل ويجريها بين الناس ، ولما كان
ذلك العالم مبعوثا لتكميلهم فلا بد أن يكون أفضل ، وكذا لا بد أن
يكون معصوما عن ارتكاب القبائح والفواحش ، وعن الخطأ ، والغفلة ،
والسهو ، والنسيان ، إذ لو لم يكن كذلك لا يأتمرون بأمره ، ولا ينتهون
بنهيه ، ولا يثقون بأخباره ، وقد قيل :
وغير تقي يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوى الناس وهو عليل
وعليه أن يعظم ذلك السلطان العادل في أنظار الناس ، ليتمكن
من نظم مملكته ، وحفظ الأمنية والأمان لأهلها ورعاياه ، كما كانت سيرة
الأنبياء مع الملوك الذين كانوا في أزمنتهم ، وقد ورد في الخبر " أن
لوامع الحقائق في أصول العقائد — صفحة 22
مساهمون: ميرزا أحمد الآشتياني
ص٢٢