أن من وظيفة سلطان كل مملكة أن يجعل بين أهلها طبيبا أو أطباء
يعالجون المرضى ، ووظيفتهم الرجوع إلى المعالج ، كذلك من لطفه
تعالى بعث عالم منزه معصوم إلى الخلق في كل زمان ، وأما رجوع الناس
إليه فهو من وظيفتهم ، وليس عليه سبحانه إجبارهم على ذلك ، كجعله
تعالى من باب لطفه العميم شوق الرئاسة والسلطنة في طبع بعض العباد ،
وإقداره الخلق على اختيار الملك العادل ، لا إجبارهم عليه .
وأما الكلام في المقام الثاني أي النبوة الخاصة ، فبعد ما ثبت
بالبرهانين المذكورين في النبوة المطلقة ، أنه لا بد في تمامية حكمة
إيجاد العالم الجسماني وانتظام أمور الخلق معاشا ومعادا ، من وجود
عالم حكيم منزه معصوم ، من غير اختصاص ذلك بزمان وقرن معين ،
نقول : إن نبي زماننا هذا - وهو خاتم الأنبياء - محمد بن عبد الله بن
عبد المطلب صلى الله عليه وآله ، الذي بعثه الله عز وجل إلى كافة العباد في زمان غلب
على أهله الفساد والتوحش ، ولا سيما في جزيرة العرب ، ولذلك صار
معروفا بزمان الجاهلية ، لكثرة جهال أهله ، والسفلة من عباد الأصنام ،
ولنعم ما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في بيان حال أهل
ذلك العصر : " وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة ، وأهواء منتشرة ،
وطرائق متشتة ، بين مشبه لله بخلقه ، أو ملحد في اسمه ، أو مشير
إلى غيره " ( 1 ) وكانت أخلاقهم في غاية الرداءة والدناءة ، يقتلون أولادهم
خشية إملاق ، وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ،
يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، أيمسكه على هون أم يدسه في
التراب ، ويقتلون من عشيرة القاتل الذي قتل واحدا من أفراد قبيلتهم ،
شرح
( 1 ) نهج البلاغة خطبة 1 ص 8 - 9 ط إيران سنة 1302 وص 19 مطبعة الاستقامة
بمصر إلا أنه ضبط في موضع طرائق لفظة طوائف .