لأن كل معقول على الإطلاق إما أن يكون واجب الوجود لذاته أو ممتنع الوجود
لذاته أو ممكن الوجود لذاته ، لا يخلو عنها ولا يجتمع اثنان منها في واحد ،
لاستحالة أن يكون شئ واحد واجبا لذاته ممتنعا لذاته أو ممكنا لذاته ، أو يكون
ممتنعا لذاته ممكنا لذاته ، فالقسمة حينئذ حقيقية .
واعلم أن القسمة الحقيقية قد تكون لكلي ( 1 ) بفصول أو لوازم تميزه وتفصله
إلى الأقسام المندرجة تحته ، وقد تكون بعوارض مفارقة والقسمة الأولى لا يمكن
انقلابها ولا يصير أحد القسمين معروضا لمميز الآخر الذي به وقعت القسمة
كقولنا : الحيوان إما ناطق أو صامت ، فإن الحيوان بالناطق والصامت قد انقسم إلى
طبيعتين ويستحيل انقلاب هذه القسمة ، بمعنى أن الحيوان الذي هو ناطق يستحيل
زوال النطق عنه وعروض الصمت له ، وكذا الحيوان الذي هو صامت . وأما القسمة
الثانية فإنه يمكن انقلابها ويصير أحد القسمين معروضا لمميز الآخر الذي به
وقعت القسمة : كقولنا : الحيوان إما متحرك أو ساكن ، فإن كل واحد من قسمي
المتحرك والساكن قد يتصف بعارض الآخر فينقلب المتحرك ساكنا وبالعكس ،
وقسمة المعقول بالوجوب الذاتي والامتناع الذاتي والامكان الذاتي من قبيل
القسم الأول لاستحالة انقلاب الواجب لذاته ممتنعا لذاته أو ممكنا لذاته ، وكذا
الباقيان .
قال : وقد يؤخذ الأولان ( 2 ) باعتبار بالغير ، فالقسمة مانعة الجمع بينهما يمكن
انقلابها ، ومانعة الخلو بين الثلاثة في الممكنات .
أقول : إذا أخذنا الواجب والممتنع باعتبار الغير لا بالنظر إلى الذات انقسم
المعقول إليهما على سبيل منع الجمع لا الخلو ، وذلك لأن المعقول حينئذ إما أن
يكون واجبا لغيره أو ممتنعا لغيره على سبيل منع الجمع لا الخلو لامتناع الجمع
بين الوجوب بالغير والامتناع بالغير ، وإمكان الخلو عنهما لا بالنظر إلى وجود
هامش
( 1 ) كما في ( م ) والنسخ الأخرى : قد تكون للكلي .
( 2 ) أي الوجوب والامتناع ، على ما في عبارة المتن .