بَعْدَهُ ، أو : بما قَدَّمَ من مالِهِ لنفْسِهِ وبما خَلَّفَهُ لوَرَثَتِهِ بَعدَهُ ، وعن مُجَاهِد : بأوَّلِ عَمَلِهِ
وآخرِهِ ( 1 ) .
( بَلِ الاِْنْسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) أي : حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ وُصِفَتْ بالبَصَارةِ على
المَجَازِ ، كما وُصِفَتِ الآياتُ بالإِبْصَارِ في قَولِهِ : ( فَلَمَّا جَاءَتْهُم ءَايَاتُنَا مُبْصِرَةً ) ( 2 ) ،
أو : عَيْنٌ بَصيرَةٌ . والمعنى : أَنَّه يُنَبَّأُ بأَعمالِهِ ، وإنْ لَمْ يُنبَّأ فَفيهِ ما يُجْزي عنِ التَّنبِئةِ ( 3 ) ،
لأنَّه شاهِدٌ عليها بما عَمِلَتْ لأنَّ جَوارحَهُ تَشْهَدُ عليه . ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) ولو
جاءَ بكلِّ مَعْذِرَة يَتَعَذَّرُ بها عن نَفْسِهِ ويُجَادِلُ عَنْها ، وعنِ السدِّي : ولو أَرْخى
سُتُورَهُ ( 4 ) ، والمَعَاذيرُ : السُّتُورُ ، واحِدُها : مِعْذَارُ ، لأنَّ السِّتْرَ يمنَعُ رؤْيةَ المُحْتَجَبِ
كَمَا أنَّ المَعْذِرَةَ تَمنَعُ عقُوبةَ الْمُذْنِبِ .
( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ) الضَّميرُ للقُرآنِ ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذ لُقِّنَ الوَحْي
نَازَعَ جبرائيلَ ( عليه السلام ) القِرَاءَةَ ، ولَمْ يَصْبِرْ إلى أن يُتِمَّها مُسَارَعَةً إلى الحفْظِ ، وخَوفاً من
النِّسيانِ ( 5 ) ، فأُمِرَ أَن يَسْتَنْصِتَ له ، مُلْقياً إليهِ بقَلْبِهِ وسَمْعِهِ حتَّى يُقْضى إليهِ وَحْيُهُ .
والمعنى : لا تُحَرِّكْ بقرَاءَةِ الوَحْيِ لسانَكَ ما دامَ جبرائيلُ يَقْرأُ ( لِتَعْجِلَ بِهِ ) لتأْخُذَهُ
على عَجَلَة ولَئِلاَّ يَنْفَلِتَ منْكَ . ثمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ عن العَجَلَةِ بقَولِهِ : ( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ )
في صَدْرِكَ وإثْباتَ قراءَتِهِ في لسَانِكَ . ( فَإِذَا قَرَأَنَهُ ) جَعَلَ قِرَاءَةَ جبرائيلَ قِرَاءَتَهُ ،
والْقُرآنُ : القِرَاءَةُ ( فاتَّبْع قُرْءَانَهُ ) فَكُنْ مُقَفِّياً له فيه ولا تُراسِلْهُ ، فنحنُ في ضَمَانِ
تَحْفيظِهِ لكَ . ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) إذا أَشْكَلَ عليكَ شيءٌ من معانيهِ ، كأنَّهُ ( عليه السلام )
هامش
( 1 ) حكاه عنه الشيخ في التبيان : ج 10 ص 195 .
( 2 ) النمل : 13 .
( 3 ) في نسخة : " البيَّنة " .
( 4 ) حكاه عنه الشيخ في التبيان المتقدّم .
( 5 ) أورد هذه العبارة المصنّف رحمه الله عن الكشّاف ، ولا يخفى ما فيه ، إذ لا يجوز - على
مذهبنا - عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الخطأ ولا النسيان أبداً .