فقيلَ : لا ، أي : لَيْسَ الأَمْرُ على ما ذَكَرْتُم ، ثمَّ قيلَ : ( أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَمَةِ ) ( 1 ) .
وقُرئَ : " لأَقْسِمُ " ( 2 ) ، على أنَّ اللامَ للابتداءِ ، و ( أُقْسِمُ ) خَبَرُ مبتَدَأ محذُوف ، أي :
لأَنَا أُقْسِمُ .
( النَّفْس اللَّوَّامَة ) التي تَلُومُ النُّفُوسَ في يومِ القيامةِ على تَقْصيرهنَّ في
التَّقوى ، أو : التي لا تَزَالُ تَلُومُ نَفْسَها وإنِ اجتَهَدَتْ في الإِحْسَان ، وعنِ الحَسَنِ : أنَّ
المؤْمنَ لا تَراهُ إلاَّ لائماً نَفْسَهُ ، وأنَّ الفاجرَ يَمضي قُدُماً لا يُعاتِبُ نَفْسَه ( 3 ) . وجَوابُ
القَسَم ما دَلَّ عليهِ قَولُهُ :
( أيَحْسَبُ الإِنْسَنُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ) وهو لَيُبْعَثُنَّ ، أي : نَجْمَعُها بعدَ تَفَرُّقِها
ورجُوعِها رُفَاتاً مخْتَلطاً بالتُّرابِ . ( بَلَى ) إِيْجَابٌ لِمَا بعدَ النَّفْيِ وهو الجَمْعُ ، فكأنَّه
قَالَ : بَلى نَجْمَعُها ، و ( قَدِرِينَ ) حَالٌ من الضَّميرِ في ( نَجْمَعَ ) ، أي : نَجْمَعُ العِظَامَ
قَادرينَ على إعادَتِها إلى التَّركيبِ الأَوَّلِ ، إلى ( أنْ نُسَوِّىَ بَنَانَهُ ) أي : أَصابِعَهُ التي
هي أَطْرافُهُ كَمَا كانَتْ أوَّلاً على صُغْرِها ولَطَافَتِها ، فكيفَ كِبَارُ العِظَامِ ؟ وقيلَ : معنَاهُ :
( بَلَى ) نَجْمَعُها ونَحنُ قَادِرونَ ( عَلَى أَن نُّسَوِّىَ ) أَصابِعَ يَدَيْهِ ورجلَيْهِ ، أي :
نَجْعَلُها مستَويةً شيئاً واحِدَاً كخُفِّ البَعيرِ وحَافِرِ الحِمَارِ ، فلا يُمكِنُهُ أن يَعمَلَ شيئاً
ممَّا كانَ يَعْمَلُ بأَصَابِعِهِ المفَرَّقَةِ ذاتِ المفاصِل والأنامِلِ من البَسْطِ والقَبْضِ وأَنْواعِ
الأَعْمال ( 4 ) .
( بَلْ يُريدُ الاِْنْسنُ ) عَطْفٌ على : ( أيَحْسَبُ ) فَيجوزُ أن يكُونَ استِفْهاماً
هامش
( 1 ) قاله الفرّاء في معاني القرآن : ج 3 ص 207 .
( 2 ) قرأه الحسن البصري وعبد الرحمن الأعرج وقنبل عن ابن كثير . راجع التذكرة في القراءات
لابن غلبون : ج 2 ص 742 .
( 3 ) تفسير الحسن البصري : ج 2 ص 377 .
( 4 ) قاله ابن عباس وعكرمة والحسن ومجاهد وقتادة والضحّاك . راجع تفسير الطبري : ج 12
ص 328 .