( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ ) أي ، كالِحَةٌ ، عَابِسَةٌ ، شَديدةُ العُبُوسِ . ( تَظُنُّ ) أي :
تَتَوقَّعُ ( أَنْ يُفْعَلَ بِهَا ) فِعْلٌ هو في فَظَاعَتِهِ وصُعُوبتِهِ ( فَاقِرَةٌ ) داهِيةٌ تَقْصمُ فِقَارَ
الظَّهْرِ ، كما تَوقَّعتِ الوُجُوهُ النَّاضِرَةُ أن يُفْعَلَ بها كلُّ خَيْر وكَرامَة .
( كَلاَّ ) رَدْعٌ عن إيثَارِ الدُّنيا على الآخرَةِ ، كأنَّهُ قَالَ : ارتَدِعُوا عن ذلكَ ،
وتَنَبَّهوا على ما بين أيديكُم من المَوْتِ الذي عنْدَهُ ، وَتَذُرونَ الْعَاجِلَةَ ، وتَنتقِلُون إلى
الآجِلَةِ وتَبقَوْنَ فيها ، والضَّميرُ في ( بَلَغَت ) لِلنَّفْسِ وإنْ لَم يَجْرِ لها ذِكْرٌ لدلاَلةِ
الكَلامِ عليهِ كما في قَوْلِ حَاتَم :
لَعَمْرُكِ ما يُغْني الثَّراءُ عنِ الفتى * إذا حَشْرجَتْ يوماً وضَاقَ بها الصَّدرُ ( 1 )
( الْتَّرَاقِىَ ) العِظَامُ المكْتَنِفَةُ لِثُغرةِ النَّحْرِ . ( وَقِيلَ مَنْ رَاق ) أي : وقَالَ مَن
حَضَرَهُ من أَهْل أو صَديق بعضُهُم لبَعْض : أيُّكُم يَرْقيهِ ممَّا بهِ ؟ وقيلَ : هو من كَلاَمِ
ملائكةِ المَوْتِ : أيُّكُم يَرْقَى بِرُوحِهِ ، ملائكةُ الرَّحمةِ أَم ملائكةُ العَذَابِ ؟ ( 2 ) ( وَظَنَّ )
هذا الْمُحْتَضرُ ( أَنَّهُ الْفِرَاقُ ) أنَّ هذا الذي نَزَلَ بهِ هو فِرَاقٌ الدُّنيا المحبُوبَةِ . ( وَالْتَفَّتِ )
سَاقَهُ بسَاقِهِ والْتَوَتْ عليها ، وعنْ قَتَادَةَ : ماتَتْ رِجْلاَهُ فلا تَحْمِلاَنَهُ وقد كانَ عليهما
جَوَّالاً ( 3 ) ، وعنِ ابنِ عبَّاس : الْتَفَّتْ شدَّةُ أَمْرِ الآخَرةِ بأَمْرِ الدُّنيا ( 4 ) ، على أنَّ السَّاقَ
مَثَلٌ في الشدَّةِ . ( إِلَى ) حُكْم ( رَبِّكَ يَوْمَئِذ ) مسَاقُهُ ومسَاقُ الخَلائِقِ .
هامش
( 1 ) البيت من قصيدة يخاطب بها امرأته ماوية بنت عبد الله بعدما هجرته مغضبة لإسرافه في
العطاء . انظر ديوان حاتم الطائي : ص 83 . وفيه : " أَماوي " بدل " لعمركَ " ، و " نَفْسٌ " بدل
" يوماً " .
( 2 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 494 .
( 3 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 663 .
( 4 ) تفسير ابن عباس : ص 494 .