وَحْشِيَّةٌ ، كأنَّها تَطْلبُ النِّفَارَ من نُفُوسِها في حَمْلِها عليهِ ، وقُرِئَ بفَتْحِ الفاءِ ( 1 ) وهي
المُنَفَّرَةُ المَحْمُولَةُ على النِّفَارِ . ( فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة ) هَرَبَتْ من أَسَد ، وهي فَعْوَلَةٌ من
" القَسْر " وهو القَهْرُ والغَلَبَةُ ، وقيلَ : القَسْوَرَةُ : جَمَاعةُ الرُّمَاةِ الذين يَتَصيَّدُونَها ( 2 ) .
( صُحُفاً مُنَشَّرَةً ) قَراطيسَ تُنْشَرُ وتُقْرَأُ ، وكُتُباً كُتِبَتْ في السَّماءِ ونَزَلَتْ بها الملائكةُ
سَاعَةَ كُتِبَتْ مُنَشَّرَةً على أَيْديها لَمْ تُطْوَ بَعْدُ ، وذلك أنَّهم قَالُوا لرَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لَنْ
نُؤْمِنَ لك حتَّى تَأْتِيَ كُلَّ واحِد منَّا كتاباً من السَّماءِ عِنْوانُها : " مِنْ ربِّ العالَمِينَ إلى
فُلانِ ابنِ فُلان " نُؤْمَرُ فيها باتِّباعِكَ !
( كَلاَّ ) رَدْعٌ لَهُم عن تلكَ الإِرادَةِ ، وعن اقْتِرَاحِ الآياتِ ( بَلْ لاَ يَخَافُونَ
الآخِرَةَ ) فلذلك أَعْرَضُوا عن التَّذْكِرَةِ لاَ لاِمتِنَاعِ إيتَاءِ الصُّحُفِ . ( كَلاَّ ) رَدْعٌ عن
إعْراضِهِم عن التَّذكِرَةِ ( إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ) مُبْهَمٌ أَمْرُها ، بَليغةٌ كافيةٌ في بَابِها . ( فَمَنْ شَآءَ )
أَن يَذْكُرَهُ ولا يَنْساهُ ، ويَجْعَلَهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ فَعَل . والضَّميرُ في : ( إِنَّهُ ) و ( ذَكَرَهُ )
للتَّذْكرَةِ في قَولِهِ : ( فَمَا لَهُمْ عَن التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ) ، وإنَّما ذَكَّرَ لأنَّها في معنَى
الذِّكْر أو القُرآنِ .
( وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أنْ يَشَآءَ اللهُ ) إِجْبارَهُم على الذِّكْرِ ، لأنَّه عَلِمَ أنَّهم
لا يَشَاؤُونَه اخْتِياراً ( هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى ) هو حَقيقٌ بأَن يَتَّقِيَهُ عِبَادُهُ ويخَافُوا عِقَابَهُ
فَيؤْمنُوا ويُطيعُوا ( وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) وحَقيقٌ بأَن يَغْفِرَ لهم ذُنُوبَهُم إذا آمنُوا بهِ وأَطَاعُوهِ .
وعن أَنَس : أنَّ النَّبيَّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تَلاََ هذه الآيةَ فَقَالَ : " قَالَ اللهُ تعالى : أَنَا أَهْلٌ أنْ
أُتَّقَى فَلاَ يُجْعَلَ معي إِلهٌ ، فَمَنِ اتَّقى أَن يَجْعَلَ معي إلهاً فأَنَا أَهْلٌ أَن أَغْفِرَ لَهُ " ( 3 ) .
هامش
( 1 ) قرأه نافع وابن عامر والمفضّل عن عاصم . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 660 .
( 2 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 493 .
( 3 ) أخرجه ابن ماجة في السنن : ج 2 ص 1437 ح 4299 .