وهي النَّارُ العُظْمى ، لأنَّه كانَ سُلْطاناً يَتَعَظَّمُ على النَّاسِ ، يقَالُ : صَلَى النَّارَ ، وصَلاَهُ
النَّارَ .
سَلْكُهُ في السِّلْسِلَةِ : أَنْ تُلْوى على جَسَدِهِ حتَّى يَلْتَفَّ عليهِ أثْناؤُها ، وهو فيما
بينَها مُرهَقٌ مُضيَّقٌ عليهِ لا يَقْدِرُ على حَرَكَة ، وَجَعلها سَبْعِينَ ذِرَاعاً وَصْفٌ لها
بالطُّولِ ، لأنَّها إذا طَالَتْ كانَ الإرْهَاقُ أَشَدَّ ، والمعنى : ثمَّ لا تَسْلُكُوهُ إلاَّ في هذهِ
السِلْسِلَةِ ، كأنَّها أفْظَعُ من سائرِ مَواضِعِ الإِرْهاقِ في الجَحيمِ . والمعنى في ( ثُمَّ )
في المَوضِعَيْنِ : الدَّلاَلةُ على تَفَاوتِ ما بَيْنِ الغِلِّ والتَّصْلِيَةِ ، وما بينَهُما وبين السِّلْكِ
في السِلْسِلَةِ ، لا على تَرَاخِي المُدَّةِ .
( إنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ ) تَعليلٌ على طَريقِ الاستئنافِ ، كأنَّهُ قيلَ : ما لَهُ
يُعَذَّبُ هذا العَذَابُ الشَّديدُ ؟ فأُجِيبَ بذلك . وفي قَولِهِ : ( وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ
الْمِسْكِينِ ) دَليلانِ على عِظَمِ الجُرْمِ في حرْمَانِ المسكينِ : أَحَدُهُما : عَطْفُهُ على
الكُفْرِ وجَعْلُهُ قَرينَةً لَهُ ، والثَّاني : ذِكْرُ الحَضِّ دونَ الفِعلِ ليُعْلَمَ أنَّ تَارِكَ الحَضِّ بهذهِ
المنْزلَةِ ، فكيفَ بتَارِكي الفْعِلِ ؟
وعنْ أبي الدُّرْدَاءِ : أَنَّه كانَ يَحُضُّ امرأَتَهُ على تَكْثيرِ المَرَقِ لأَجْلِ المَسَاكينِ ،
وكانَ يقُولُ : خَلَعْنا نِصْفَ السِلْسِلَةِ بالإِيْمانِ ، أَفَلا نَخْلَعُ نِصْفَها الآخَر ؟ ( 1 ) .
( حَمِيمٌ ) قَريب يَدْفَعُ عنْهُ ويَحزُنُ عليهِ . والْغِسْلِينُ : غُسَالَةُ أَهْلِ النَّارِ وما
يَسيلُ من أَبْدانِهِم من الصَّديدِ والدَّمِ ، فِعْلِين من الغَسْلِ . ( الْخَطِئُونَ ) الآثِمُونَ ،
أَصْحابُ الخَطَايا ، وخَطِئَ الرَّجُلُ : إذا تَعَمُّدَ الذَّنْبَ ، وَهُم المشْركُونَ ، وقُرِئَ :
" الخَاطِيُونَ " بإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً ( 2 ) و " الخَاطُونَ " بِطَرْحِها ( 3 ) ، وقيلَ : هم الَّذينَ
هامش
( 1 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 4 ص 605 .
( 2 ) قرأه موسى بن طلحة . راجع المحتسب لابن جنيِّ : ج 2 ص 329 .
( 3 ) وهي قراءة ابن عباس وابن مسعود . راجع شواذ القرآن لابن خالويه : ص 161 .