ادَّعى علينا شَيئاً لَمْ نَقُلْهُ لَقَتلْنَاهُ صَبْراً ، كَمَا يَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَنْ يَتَكَذَّبُ عليهم ، فَصَوَّرَ
قَتْلَ الصَّبْرِ بصُورتِهِ ليكُونَ أَهْوَلَ ، وَهُو أَن يؤْخَذَ بيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ ، وَخَصَّ الْيَمِينَ
لأنَّ القَتَّالَ إذا أَرادَ أَن يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفَاهُ أَخَذَ بيَسَارِهِ ، وإذا أرادَ أن يُوقِعَهُ في
جيدِهِ وأَن يكْفَحَهُ بالسَّيفِ أَخَذَ بيَمينِهِ ، وهو أَشَدُّ على المَصْبورِ لِنَظَرِهِ إلَى السَّيفِ ،
والمعنى : ( لأَخَذْنَا ) بيَمينِهِ ( ثُمَّ لَقَطَعْنَا ) وَتينَهُ ، و ( الْوَتِين ) : نِيَاطُ القَلْبِ ،
وهو حَبْلُ الوَريدِ ، إذا قُطِعَ مَاتَ صاحِبُهُ .
( فَمَا مِنْكُمْ ) الخِطَابُ للنَّاسِ ، والضَّميرُ في ( عَنْهُ ) لِرَسُولِ اللهِ ، أو : للقَتْلِ ،
أي : لا تَقْدِرُونَ أن تَحْجُزُوا عنْهُ القَاتِلَ ، أو : لا تَقْدِرُونَ أن تَحجُزُوا عن ذلك
وتَدفَعُوا عنْهُ ، و ( حَجِزِينَ ) صِفَةٌ ل ( أَحَد ) لأنَّه في معنَى الجَمَاعَةِ ، وهو اسمٌ يَقَعُ
في النَّفْي العامِّ ، ويستَوي فيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمذَكَّرُ والمؤْنَّثُ ، ومنْهُ قَولُهُ تَعالى :
( لاَ نُفَرِّق بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ ) ( 1 ) ( لَسْتُنَّ كَأَحَد مِّنَ الْنِّسَآءِ ) ( 2 ) ، و ( مِنْ أَحَد )
في موضِعِ رَفْع بأَنَّه اسمُ ( مَا ) . وقيلَ : إنَّ الخِطَابَ للمسلمينَ ( 3 ) ، وكَذلك في قَولِهِ :
( وَإنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِّنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ) والمعنى : أنَّ منْهُم نَاساً سَيكْفُرونَ بالقُرآنِ .
( وَأَنَّهُ ) الضَّميرُ للقُرآنِ ( لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكفِرِينَ ) بهِ المكَذِّبينَ لَهُ إذَا رَأَوْا
ثَوابَ المصَدِّقينَ بهِ ، أو : للتَّكْذيبِ . ( و ) إنَّ القُرآنَ لليقَينِ ( حَقُّ الْيَقِينِ ) كَمَا يقَالُ :
هو العَالِمُ حقُّ العَالِمِ ، والمعنى : لَعَيْنُ اليَقينِ ومَحْضُ اليَقينِ لا شُبْهَةَ ولا رَيْبَ فيهِ .
( فَسَبِّحْ ) بذِكْر ( بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) الذي يَتَضَاءَلَ كلُّ شَىْء لِعَظَمَتِهِ ؛ شُكْراً على
ما أَوْحَاهُ إليكَ من القُرآنِ الكَريم .
* * *
هامش
( 1 ) البقرة : 285 .
( 2 ) الأحزاب : 32 .
( 3 ) حكاه الزمخشري في الكشاف : ج 4 ص 607 .