أنَّ الأُذُنَ الواحِدَةَ إذا وَعَتْ وعَقَلَتْ عن اللهِ فهي السَّوَادُ الأَعظَمُ عنْدَ اللهِ ، ولا
مُبَالاَة بما سِوَاها وإنْ مَلأَُوا ما بَيْنَ الخَافِقين . وقُرئَ : " وَتَعْيِهَا " بسُكُونِ العينِ ( 1 )
للتَّخْفيفِ ، وشَبَّهَ " تَعْي " بِكَبْد .
( فَإذَا نُفِخَ ) أُسْنِدَ إلى ( نَفْخَةٌ ) وذُكِّرَ للفَصْلِ ، وهي النَّفْخَةُ الأُولى ، وقيلَ : هي
الأَخيرَةُ ( 2 ) ، ووُصِفَتِ النَّفْخَةُ بِوَاحِدَة وهي لا تَكُونُ إلاَّ مَرَّةً ؛ تأْكِيداً ، كقَولِهِ : ( إِلهَيْنِ
اثْنَيْنِ ) ( 3 ) ، وقَالُوا : أَمْسِ الدَّابِر . ( وَحُمِلَتْ الأْرْضُ وَالْجِبَالُ ) رُفِعَتْ عن أَمَاكِنِها
بِريح بَلَغَتْ من قوَّةِ عَصْفِها أنَّها تَحْمِلُها ، أو : بخَلْق من الملائكةِ ، أو : بقُدْرة اللهِ من
غَيْرِ سَبَب ( فَدُكَّتَا ) أي : فَدُكَّتِ الجُمْلَتَانِ : جُملَةُ الأَرضينَ وجُملَةُ الجِبَالِ ، فَضُرِبَ
بَعْضُها ببعض حتَّى تَنْدَكَّ وتَنْدَقَّ وتَرجعُ كَثيباً مَهيلاً وهَبَاءً مُنْبثَّاً ، والدَّكُّ أَبْلَغُ من
الدَّقِّ ، وقيلَ : فَبُسِطَتَا بَسْطَةً وَاحِدَةً فَصَارتَا أَرْضاً مسْتَويةً لاَ تَرى فيها عِوَجاً ولا
أمْتاً ( 4 ) من قَولِهِم : بَعيرٌ أَدَكُّ : إذا تَفَرَّقَ سَنَامُهُ ، ونَاقَةٌ دَكَّاء .
( فَيَوْمَئِذ ) فَحِينَئذ ( وَقَعتِ الْوَاقِعَةُ ) نَزَلَتِ النَّازِلَةُ وهي القيامَةُ ( وَانْشَقَّتِ
الْسَّمَآءُ ) انْفَرَجَت ( فَهِىَ يَوْمَئِذ وَاهِيَةٌ ) مسْتَرخيةٌ سَاقِطَةُ القوَّةِ بانتِقَاضِ بُنْيتِها
بَعْدَ أن كانَتْ مُستَمسكَةً مُحْكَمةً . ( وَالْمَلَكُ ) أي : والخَلْقُ الذي يقَالُ لَهُ المَلَكُ ،
ولذلك رُدَّ الضَّميرُ مَجْمُوعاً في قَولِهِ : ( فَوْقَهُمْ ) علَى المعنى ، وهو أَعَمُّ من المَلاَئكةِ
( عَلَى أَرْجَآئِهَا ) أي : جَوانِبِهَا ، الوَاحِدُ " رَجَا " مقْصُورٌ ، يَعني : أنَّ السَّماءَ تَنْشَقُّ
وهي مَسْكَنُ الملائكَةِ فَيَنْضَوونَ إلى أَطْرَافِها وَحَافَّاتِها ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ . . .
هامش
( 1 ) قرأه ابن كثير برواية الحلواني وقنبل برواية أبي ربيعة . راجع كتاب السبعة في القراءات :
ص 648 .
( 2 ) قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب ومقاتل . راجع البحر المحيط : ج 8 ص 322 .
( 3 ) النحل : 51 .
( 4 ) قاله الرُّماني . راجع التبيان : ج 4 ص 533 .